Atwasat

احلام المهدي تكتب:

أحلام المهدي الأحد 15 سبتمبر 2019, 02:30 مساء
أحلام المهدي

كعادتنا، لن نفكر طويلا في السؤال. فنحن أرباب الإجابات الجاهزة، "يمشي عام ويجي عام" وتتسرب الأيام بسرعة تحاكي فيها الدقائق، فمن احتفل قبل أيام بالعيد الخمسين لميت سيقول بأننا قبل العام 2011 كنا نملكه وكنا نستظل بجرده الوارف من زمهرير العالم، وفي المقابل سيقول آخر إننا لم نحظَ به يوما أما صاحب الجرد فهو دكتاتور كبير عاش على الألقاب والصفات، نظر إلينا من عل فمات وحيدا.
من هو القائد المفكر إذا، بعيدا عن "دوشة" الليبيين وكيف يكون كذلك، ومن يقرر ذلك؟

لن أقحم قارة بعيدة أو بلادا لا تشبهنا في محاولتي الإجابة عن هذه الأسئلة، بل سألوذ بقارتنا التي تشاركنا التصنيف في رحاب العالم الثالث، فمن منا لا يعرف قصة الرئيس الرمز "نيلسون مانديلا" وعباراته التي رسخت في ذاكرة العالم وتحولت إلى فلسفة حياة لدى البعض، نضال سياسي وفكر متقد وتسامح لا حدود له جعل من صاحبه أيقونة سياسية وفكرية خالدة.

أما السنغال البلد الأفريقي الذي لا نعرف عنه أكثر من أسماء نجوم كرة القدم والمنتخب الأخضر الساحر فقد كان الرئيس المفكر أول عهدهم بالدولة بمفهومها الحديث، ليوبولد سيدار سنغور أو الشاعر الرئيس الذي يعتبره الكثيرون من أهم المفكرين الأفارقة في القرن الماضي، كان أول رئيس لدولة السنغال فشغل المنصب منذ عام 1960 حتى 1980 ليتنازل عنه بمحض إرادته ويرشح عبدو ضيوف خلفا له.
سنغور لم يسبغ الألقاب على اسمه ولم يلتصق بكرسي الرئاسة، بل جاءته الجوائز الأدبية والفكرية من كل جامعات العالم، ولم يمت ممزقا بأيدي شعبه الغاضب بل فارق الحياة بهدوء إثر مشاكل صحية في ديسمبر 2001.

بعضنا يخلط بين مفردات الرئاسة والثورة وسيقول إنه مجرد رئيس أما نحن فكنا نملك قائدا مفكرا جاء من رحم ثورة، لهؤلاء أن يقرأوا فقط عن "الثوري" التشيكي فاتسلاف هافيل الذي صُنف رابعا ضمن أفضل مائة مفكر في العالم، الكاتب المسرحي الذي ترجمت كتبه إلى عدة لغات والمخرج السينمائي الذي كان رئيسا في مناسبتين، تشيكوسلوفاكيا من 1989 حتى 1992، جمهورية التشيك من 1993 حتى 2003.
إنه مهندس الثورة المخملية التي غيرت مجرى التاريخ في عدة دول، هو الآخر لم يلتصق بالمنصب ورحل بهدوء في ديسمبر 2011 بعد صراع مع السرطان، وبعد أن ترك في سجل حياته إنجازات كثيرة من مؤلفات وجوائز ستخلد هذا الاسم للأبد.

ليس من السهل إذا أن نجيب على السؤال أعلاه ونقول إننا امتلكنا يوما قائدا مفكرا، لن نستطيع محو عشرات السنين من تاريخ البلاد ولن نستطيع ليّ يد القدر لتكتب ما نريد في صفحاته، لكن ذاكرة الأجيال قادرة على التمييز بين القائد والجلاد، ولن تغفر أبدا لمن أراد سوءا بهذا الوطن، اليوم وغدا وللأبد.