Atwasat

سكّة سلامة

نورالدين خليفة النمر الإثنين 12 أغسطس 2019, 07:32 مساء
نورالدين خليفة النمر

سيُمدد الأمين العام للأمم المتحدة،هذه المرّة دون أدنى عوائق، أو ضغوطات، مهمة المبعوث الأممي إلى ليبيا، سنة مضافة، حتى 15 سبتمبر 2020 . وحجته في ذلك استعارة سكّة سلامة، تم تعبيدها  بين الطرفين المتقاتليْن الليبييْن المستميتين في حرب كسر العظم المبتدئة في 4 أبريل 2018، واللذين تم إرهاقهما بالحرب التي أطلقنا عليها في مقال سابق الحرب المتنقلّة أو النازحة. لإيصال المتحاربيْن إلى نقطة قريبة من العودة السريعة للتفاوض بين طرفين شبه منهزمين تتوسط فيها الأمم المتحدة.

وفي حالة نجحت الضغوط الأمريكية والأوروبية على الأطراف الأقليمية المؤججة للاحتراب بدعم نداء الأمم المتحدة بهدنة عيد الأضحى، فيكون توّقف القتال سابقة  يستثمرها  سلامة لبناء موقف دولي موحد من الأزمة الليبية.يتلافى به سَّوْأة مجلس الأمن الأخيرة في 4 يوليو 2019. إذ عرقلت الولايات المتحدة إصدار البيان الذي قدمته بريطانيا، وكان سيُدين الضربة الجوية على مأوى مهاجرين في ضاحية العاصمة، ويدعو إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا والعودة إلى طاولة الحوار.

لقد وضعت البعثة الأممية في ليبيا، لأوّل مرة نفسها في مأزق حقيقي منذ بدء مهمتها  فعلياً بمبعوثية إيان مارتن في 20 سبتمبر 2011، فتجرؤ قائد ميليشيا الكرامة بمُسمى الجيش الليبي بدأ فاضحاً، بإظهار احتقاره المطلق، لمنظمة الأمم المتحدة الذي يُعيد ذاكرة المجتمع الدولي إلى المواقف المتهوّرة لدكتاتور ليبيا المُسقط بثورة الشعب 2011. فقائد ميليشيا الكرامة بمُسمى الجيش الليبي أراد أن يٌوجه بوضوح رسالة مموّلي حربه الإقليميين  حين اختار أن يطلق هجومًا ضد طرابلس في نفس اليوم الذي وصل فيه إلى ليبيا الأمين العام للمنظمة الأممية لوضع اللمسات النهائية لملتقى الحوار الليبي في غدامس، بل إشعاره بالإهانة وقد سافر إليه في مقرّه في الرجمة ليثنيه عن هجومه، فمافعل. مما اضطر الأمين أن يطير إلى نيويورك متأسفاً معبراً عن يأسه من القضية الليبية في تغريدة على حسابه بتويتر.

ولكن جريًا على المثل الذي يقول ماء البحر يكذّب الغطاس، فإن نتائج الحرب التي تجمدّت على تخوم طرابلس، كفلت لسكة سلامة أن تمتد وإن بتعثر في اتخاد موقف وسطي بناء دون أن تبرز عداء كبيرا للمعسكر المهاجم ، وعلى الرغم من عدم تقديمها دعما كاملا لحكومة طرابلس، فلا تزال تدافع عن مسار الحوار على طاولة التفاوض الذي سعى المعسكر الإقليمي المدعوم بمصالح بعض الأطراف الدولية بكل السبل إلى تخريب سكته.

بالتأمل في مسار المهمة الأممية في الأزمة الليبية التي بدأت  بتعيين إيان مارتن في  20 سبتمبر 2011، وتستمر بالتمديد لغسان سلامة حتى 15 سبتمبر 2020. يلحظ أن المهمة منعتها قصدية متعمدة من القوى التي إدارت الأزمة الليبية من بدايتها أن تندرج في سياق يمكن أن يفسّرها بجملة :" series of changes that happen naturally" ومعناها التقريبي: سلسلة من "التحويرات" المُصححة المتتالية مؤدّية إلى نتيجة ما. سواء أكانت متقصّدة أو وقعت أو تقع إستثناءً. ولكن بين كلمتي الأحداث المتتالية، ومؤدية يستتر في الجملة فعل إجراء"procedure" والإجراء هو خطوة أساسية من بين مجموعة خطوات لتفعيل"عمليةProcess" .".

سُميت المهمة الأممية التي عُيّن لها إيان مارتن، الذي شغل منصب الأمين العام لمنظمة العفو الدولية20. في سبتمبر 2011 بعد تحرير العاصمة طرابلس من قبضة الدكتاتور المُسقط في خريفه البطرياركي من نفس العام  بـ "التخطيط في فترة ما بعد النزاع في ليبيا" والمابعدية هنا تجاوزت بتسمية النزاع لقمع نظام دكتاتوري لقسم كبير من شعبه الذي انتفض في وجهه. ولكن النزاع المجتمعي لم يبدأ بعد، بل إن مؤشراته المبدئية لم ينتبه لها إلا الخبير الليبي الحصيف في البنية الانقسامية الليبية. وفي أغسطس 2012 تكفلّت مهمة المبعوث الأممي طارق متري، بدعوة جميع الأطراف الليبية إلى الحوار.

واستثمر في ذلك خبرته في مجلس الكنائس العالمي غير المطابقة للأزمة الليبية.هو نفسه وصف مهمته بالفاشلة، ولكنها نجحت بسبب غياب تيار ليبرالي ديمقراطي ليبي، في تأهيل التيار الإسلاموي المضاد بطبيعته للديمقراطية ليكون طرفاً فاعلاً في تأهيل ليبيا للحرب الأهلية في 2014. مهمة برناردينو ليون، يمكن وصفها بالوظيفية، كانت الأصعب بين كل مهمات  المبعوثين؛ إذ كان الاقتتال وتسلّط الميليشيات المسلحة على أشده، ولكن المهمة أنجزت توقيع اتفاق الصخيرات السياسي نوفمبر 2015، لكنه غادر منصبه تاركاً وراءه حالة من الاستياء شمل كل الأطراف الليبية المتنازعة بسبب أن الاتفاق الذي أوصل الليبيين إليه فاقم الانقسامية الليبية بانقسامية مؤسساتية بشرعنة مؤسسات الأمر الواقع السيئ. 

تمثلت مهمة المبعوث الأممي  مارتن كوبلر، 17 نوفمبر 2015 إلى 21 من يونيو  2017، في تطبيق اتفاق الصخيرات، ملوّحاً بنجاح مهمته في الكنغو التي رُتبت لها أسباب النجاح عكس المهمة الليبية. وهو ماجعله يمارس الضغط المتعسّف على الروح القبائلية في الشرق الليبي وتوابعها في الغرب، بأن تخضع لبنود اتفاقه متجاهلاً ضروب العناد المتوحش التي تاريخياً تستبد بها. وأخيراً مهمة غسان سلامة منذ تعيينه في يونيو 2017 الذي نجح في إجراء تعديلات على اتفاق الصخيرات وأحدث تقدماً ملحوظاً في ملفات المصالحة والحوار بين كثير من الأطراف والقبائل الليبية المتناحرة، لكن العملية العسكرية التي اندلعت قبل أربعة أشهر في طرابلس العاصمة بالهجوم عليها بمسمى الجيش الليبي عطلت سكته لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية في البلاد.

تسربت من كواليس المسرح المصري في 1964 كتابة دراما سكة السلامة، أن كاتبها، سعد الدين وهبة، استلهمها من قصة الشاطر حسن الشعبية الذي بسبب عشقه الجنونى الطاغى لست الحسن والجمال يجد نفسه في مفترق الطرق الشهير سكة السلامة وسكة الندامة.