Atwasat

«الثقب المعرفي» المُناظر

عمر أبو القاسم الككلي الإثنين 12 أغسطس 2019, 05:16 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

"الثقب المعرفي"* عنوان كتاب تأليف محمد خليفة، وهو رجل قانون ليبي درس في بريطانيا وفرنسا، مهتم بالفكر الإسلامي، والفكر الإنساني (من وجهة نظر إسلامية). يتكون الكتاب من مجموعة مقالات قصيرة محورها ما يعاني منه الإسلام والمسلمون من تفتت وعجز، بسبب التعليم، التابع للغرب، وروح الغرب الصليبية، والعلمانية، والدولة القومية، والتناحر الطائفي بين السنة والشيعة...

يستعير المؤلف هذا التعبير من محاورة جرت سنة 1947بين روجيه غارودي ومالك بن نبي، الذي يعود إليه  محمد خليفة كثيرا ويعتبره مرجعا authority أساسيا له. في تلك السنة "سأل روجيه غارودي مالك ابن [كذا] نبي السؤال الآتي: لماذا الحضارة الغربية مستمرة بينما الحضارة الإسلامية انتهت؟ فأجابه ابن نبي: ‘‘لماذا؟ لأن في ثقافة الغرب ثقبا ذا مساحة كبيرة تمر به من دون أن تدري، ولذلك أنت تحكم هذا الحكم، فأنت منذ طفولتك تدرس أن الحضارة ابتدأت في أثينا، واستمرت ستة قرون إلى أن وصلت إلى روما وانتهت في القرن الخامس الميلادي‘‘" ص11. ويستطرد مالك بن نبي قائلا " لو وضعت هذا المقياس على محور التاريخ ترى أن الثغرة ما بين 450 إلى 1453 هي تقريبا ألف سنة.. أنتم تعدونه فراغا في التاريخ، ولكنها هي بالضبط الحضارة الإسلامية" ص11. ويخلص ابن نبي إلى نتيجة مؤداها أننا "لوعزلنا الحضارة الإسلامية أو الحضارات القديمة عن الحضارة الحديثة لما أمكن أن يكون لهذه الحضارة أسس تقوم عليها" ص11.

طبعا، واضح أن مالك بن نبي يتمتع ببديهة سريعة وقوية، مسنودة بمعرفة واسعة. لكنه، في ما نرى، لم يجب على سؤال غارودي إجابة موضوعية. فهو لم ينكر انتهاء الحضارة الإسلامية، بما هي حضارة تفعل فعلها في بلاد المسلمين، كما أنه لم يعلله، واعتبرها مستمرة، ليس من خلال حياتها وفعلها في التاريخ المستمر على أرضها، وأنما من خلال ما غذت به، وامتصته منها، الحضارة الغربية. ويبدو أن روجيه غارودي قد فوجيء برد مالك بن نبي و"أفحمه"، حينها، هذا الرد، لأن مالك بن نبي يقول "استحى غارودي من سؤاله حين أجبته" ص11. ما منعه أن ينتبه إلى قفزته عن النقطة المحورية في السؤال. المسألة الأخرى، إذا كانت الحضارة الغربية زبدة مخاضات وتفاعلات حضارات مختلفة، منها الحضارة الإسلامية طبعا، فهل كانت هذه الأخيرة حضارة إسلامية خالصة مخلصة، نشأت على غير مثال ولم تتغذَّ من سابق؟. أم أنه ينطبق عليها ما ينطبق على الحضارة الغربية؟.

بغض النظر عن الحضارات العربية القديمة التي قامت على أطراف شبه الجزيرة العربية، سبأ ومعين مثلا، والتي درست منذ عهد بعيد قبل الإسلام، فإن الرقعة التي ظهر فيها الإسلام، بوسط شبه الجزيرة العربية، لم تكن متقدمة حضاريا. لذا لم تتولد الحضارة الإسلامية نتيجة جهود المسلمين الأصليين، العرب، بسبب دافعية الدين الجديد، وإنما تولدت في إطار تكون الإمبراطورية الإسلامية. أي بعد فيضان المسلمين العرب خارج موطنهم الأصلي وضمهم إلى ملكهم أراضي شاسعة تعيش عليها شعوب ذات حضارات عريقة متقدمة، وقبول هذه الشعوب بالدين الإسلامي وإتقان نسبة كبيرة منهم لغة الفاتح المتغلب.

لذا انقضت حوالي ثلاثة قرون حتى تمكنت الحضارة الإسلامية (حضارة الدولة الإسلامية) من الازدهار. فمثقفو هذه الشعوب هم الذين أدخلوا خمائر حضاراتهم العلمية والفكرية، وحتى الأدبية والفنية، في حراك المجتمع الإسلامي الجديد. والواقع أن هذا الازدهار حدث عندما آلت مفاصل الدولة الإسلامية إلى الفرس. فالغالبية الساحقة من العلماء والفلاسفة والمفكرين وعلماء الكلام (=علم أصول الدين= علم أصول الشريعة)، ناهيك عن نسبة لا بأس بها من الشعراء والفقهاء وعلماء اللغة، لم تكن متحدرة من أصل عربي. هؤلاء أيضا أدخلوا الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني إلى ثقافة اللغة العربية، فدخل المنطق في العلوم الدينية الإسلامية كالفقه، وصرنا نسمع عن المعقول والمنقول، حيث يستند الأول، إلى حد كبير على الأقل، على إعمال العقل والرأي من خلال التفكير المنطقي الممنهج في المسائل الدينية، ويكتفي الثاني بظواهر نصوص الدين.

ولم تكن العلوم والفلسفة تنطلق في مبادئها وفرضياتها من مباديء الدين الإسلامي، كما أنها لم تكن تعمل ضدها، وإنما كانت تشتغل على نفسها مستقلة عن كونها مع أو ضد. عليه، نحن نرى أن الحضارة، أية حضارة، لا تنتمي إلى دين، وإنما تنتمي إلى عامل موحد، قد يكون دينا أو شيئا آخر، تبنى على أساس منه دولة يتخلق داخلها، بحكم عوامل ومتطلبات التطور المدني والحضاري، نشاط علمي وفكري، وما إلى ذلك. الحضارة لا تنسب إلى الدين. فلا نقول "الحضارة المسيحية" أو "الحضارة الهندوسية"، ولكننا نقول "الحضارة الصينية" أو "الحضارة البابلية" نسبة إلى بلد أو شعب. وإنما نقول "الفلسفة المسيحية" أو "الفلسفة الهندوسية" أو "الفلسفة الإسلامية". ولعل تفرد الحضارة الإسلامية بالنسبة إلى الدين ناتج عن كونها نتاجا شاركت في إنجازه شعوب عدة امتدت على رقعة جغرافية هائلة الاتساع، بحيث لم تعد ممكنة نسبتها إلى شعب أو بلد.

ومن الناحية التاريخية في "الحضارة الإسلامية" نعرف أن الهجوم العنيف على الفلسفة تحديدا تم من وجهة نظر الدين، أو على الأقل من رؤية متزمتة (= أصولية) له. ذلك أن الدين، أي دين، يعمل على سيادة الصوت الواحد وينفر من التعدد وحرية الرأي.

وإذن، "الثقب المعرفي" لم يكن موجودا لدى روجيه غارودي وحده، وبالتالي حكرا على وجهة نظر المركزية الغربية، ولكنه كان موجودا لدى مالك بن نبي أيضا، وبالتالي لدى المركزية الإسلامية. إنه موجود لدينا مثلما هو موجود لدى الآخر، مادمنا نعتقد بمعجزة الحضارة الإسلامية، مثلما يعتقد كثير من الغربيين بمعجزة الحضارة اليونانية. 
اتخذ هذا المقال شكل الرد على فكرة مالك بن نبي في مسألة "الثقب المعرفي". لكن المقصود منه الرد على محمد خليفة الذي يسعى، من خلال كتابه هذا، إلى سد هذا "الثقب المعرفي".
ـــــــــــــــــــــــ
* محمد خليفة، الثقب المعرفي، دار منابع النور، استانبول،2019. وأشكر الصديق محمد خليفة الذي تفضل بأن أرسل إليَّ هذا الكتاب وكتابا آخر (وهما باكورة انتاجه) ممهورين بإهداء منه.