Atwasat

الرئيس التيفال أو صورة الوجه الفاشي الحنون

سالم العوكلي الثلاثاء 23 يوليو 2019, 12:42 مساء
سالم العوكلي

في صدد حديثه عن سيطرة الصورة والرمز على صناعة الحقائق أو ما يسميه "الصورة الزائفة" يحدد جان بودريار المراحل التي انزاح فيها فعل الصورة لتخلق نظاما كهنوتيا لمفهوم الحقيقة، ومراحل الصورة الأربع التي يقترحها هي: "انعكاس لواقع أساسي ــ حجب لواقع أساسي وإفساد له ــ حجب لغياب واقع أساسي ــ فقدان الصلة بأي واقع على الإطلاق، فهي صورة خالصة لذاتها.". ويصف الصورة في مظهرها الأول بأنها حالة طيبة، وفي الثانية مظهر شرير، والثالثة تتظاهر بأنها مظهر، أما الرابعة فلا تعود في حالة مظهر على الإطلاق بل في حالة محاكاة. أو بمعنى آخر تتشكل الحقائق المفبركة بين نوعية السر المقدس الذي تعكسه الصورة الأولى وبين نوع من الدجل تخلقه الصورة الثالثة.

في ملاهي والت ديزني يجد بورديار ضالته في هالة التلاعب بالصورة والرمز، حيث تنعكس فيها كافة القيم الأمريكية، أو تتبدى في صور هزلية مصغرة من نمط الحياة الأمريكية "تُصور ديزني لاند باعتبارها عالما خياليا يوحي لنا بأن بقية البلاد حقيقية لا خيال، في حين أن منطقة لوس أنجليس وأمريكا كلها من حولها، لم تعد حقيقة، بل ضرب من ضروب الواقع والمحاكاة"1.

يحيلني هذا التصور لديزني لاند إلى التفكير بما نسميه اليوم العالم الافتراضي المصنوع عبر الثورة الرقمية، الذي أصبح يحل محل العالم الحقيقي ويتداخل معه بشكل يوافق تلك الأجهزة والألعاب والتهويمات التي تكتظ بها مدينة ديزني التي أصبح سحرها الآن في متناول أي شخص يعيش في إحدى عشوائيات العالم بمجرد أن يفتح جهازا صغيرا في جيبه المثقوب وينطلق في قلب هذا السحر غير المحدود الذي أذاب حقائق العالم في سديم سوبراني لا متناه.

يذهب بودريار بعدته التحليلية إلى المكوث عند فضيحة ووتر جيت كنموذج آخر يعثر فيه على تشابه كبير بينه وبين أرض ديزني، ويصف هذه المشهدية المؤثرة لووترجيت بكونها "إعادة حقن جرعة كبيرة من الأخلاقيات السياسية بمقياس عالمي" وبالعودة إلى مراحل الصورة التي يديرها بحنكة رأس المال الكوني نكتشف معه أنه في الماضي كانت المهمة تنحصر في إخفاء الفضيحة، أما اليوم فتتمثل في إخفاء حقيقة أنه ليس هناك فضيحة من الأساس.

من زاوية أخرى يرى أستاذ الجغرافيا بجامعة أكسفورد، ديفيد هارفي، هذه المحاكاة الصورية في تجربة انتخاب الممثل رونالد ريجان للرئاسة وما صاحبها من مشهدية دعائية "إن انتخاب ممثل سينمائي سابق كرونالد ريجان ليحتل واحدا من أقوى المناصب في العالم أضفى بريقا على إمكانات قيام سياسة تلفزيونية تصنعها الصورة وحدها. فظهرت صورته التي بنيت عبر سنوات عديدة من الممارسات السياسية، ثم جرى دعمها وتهذيبها بكل ما أوتي فن صناعة الصورة المعاصر من قدرات وخدع لتظهره في صورة الرجل القوي والحنون في آن معا، فتشعر بأنه أحد أقربائك، وتعرضه في هيئة رجل يحمل آمالاً عظيمة وإيمانا راسخا بقوة أمريكا وعظمتها وحبها للخير."2. يصف المحلل السياسي والإعلامي الشهير، كاري مكوليامز، هذه الصورة المصممة لريجان بعبارة "الوجه الحنون للفاشية"، ليشتهر ريجان فيما بعد باسم "الرئيس التيفال" حيث لم تلتصق به أي تهمة من التهم الموجهة إليه مهما كانت حقيقية.

لا أعرف ماذا كان سيقول هارفي لو أن مقالته كتبت بعد انتخاب ترامب، الذي رغم تأثره بشخصية ريجان إلا أنه بذكاء لعب فيما يخص الصورة عكس ريجان أو تقريبا كل من سبقوه، فأعاد الصورة إلى مرحلتها الأولى التي ذكرها بورديار "انعكاس لواقع أساسي" ورغم كل التقنيات التي يستخدمها مزينوه لتلميع صورته الشخصية أو ملامحه وشعره، إلا أن الصورة العامة للرئيس الجديد أو الصورة الرمزية كانت خالية من كل تقنيات المكياج والتنكر السابقة ليظهر الوجه الحقيقي والوقح لسياسة أمريكا ونظرتها للآخر، وليحشد خلفه المؤيدين والناخبين لأنه عبر عن مكبوت أصيل لديهم، أو بمعنى آخر أزال الحد الفاصل بين ديزني لاند وباقي أمريكا، فكما يقول بودريار: "الوهم لم يعد ممكنا لأن الحقيقة لم تعد ممكنة" وكان هذا كيجيتو ترامب الذي أوصله لأعلى منصب في أقوى دولة على الكوكب وسط ذهول كل المراقبين، وبعكس ما تنبأت به مؤسسات استطلاع الرأي المحترفة. وكانت الجماليات بمفهومها الاستاطيقي تعيش حالة صدام قصوى مع الأخلاق بمفهومها الأبستمولوجي.

نقل ريجان نيويورك من مدينة تجارة الملابس التي اشتهرت بها إلى مدينة إنتاج الديون ورؤوس الأموال المصطنعة مؤسسا لظهور ما سمّاه هارفي "اقتصاد كازينو القمار"، بكل ما يحويه من مضاربات مالية وتكوين ثروات وهمية، أو ما سماه بوش الإبن "اقتصاد المرايا" الذي جعل من دونالد ترامب مليارديرا في فترة قياسية.

ووفق هذه المراحل الهامة التي مرت بها تكنيكات صناعة الصور الزائفة في كل مجال، كان هارفي يتوقف عند فترات التوتر الحاد التي انفصلت فيها المعرفة العلمية عن الحكم الأخلاقي، أو كعالم جغرافي مختص بدلالات المكان والزمان، كان يعتقد أن الجماليات حققت انفصالا عن الأخلاق باعتبارها بؤرة رئيسة للاهتمام الاجتماعي والفكري. قد يبدو هذا الانفصال منهجيا وجذابا لمن يمتهنون الجمال للتعبير عن ذواتهم أو كسب عيشهم، لكن فكرة هارفي لا تلتفت لهذا الجانب الرومانتيكي من المسألة؛ بل مازالت تحدق في جماليات صناعة الصورة الزائفة كسوق مثابرة لتسويق الوهم بنجاح.

تذكرت وأنا أحاول فهم هذا الانفصال سؤالي السابق حيال الالتباس الذي يحيط بالفيلسوف هيدجر أحد ملهمي التفكيكية، وعن شغف الفيلسوفة اليهودية حنا أرندت به الذي لم يتوقف حتى بعد أن أصبح عضوا ملتزما في الحزب النازي، يدعم السياسيات المناوئة لليهود. كما تذكرت ــ إذا ما تحدثت عن حالة ليبية ــ الالتباس الذي ينعكس في مواقع التواصل تجاه الموسيقي الليبي محمد حسن: بين من يحاول أن يفصل بين موهبته وارتباطه العضوي بالنظام، وبين من يرى أن الفصل غير ممكن لأن الموهبة الحقيقية لا يمكن أن تكون في خدمة الاستبداد والقمع. وكلها تعكس حالة الاشتباك بين الجماليات والأخلاق، التي وفق ما يرى هارفي آلت إلى نوع من الانفصال في عالم أصبح يخضع بالكامل لسيطرة الصورة وتلاعب الرموز.

هل تبدو النظرة متشائمة وعدمية تجاه مستقبل الحقائق والصور الطيبة؟ بالتأكيد لا يمكن لباحث رصين أن يوصل الأمور إلى طريق مسدود أو نهاية مفترضة للتاريخ، ففي هذا العالم الجديد الذي لم تعد فيه السيطرة على الصورة حكرا على النظام السياسي أو على رأس المال، من الممكن أن يتخذ الصراع أوجها أخرى مازال التنبؤ بها صعبا رغم بعض الحدوس المتفائلة، فعالم الفوتوشوب القادر على تحسين وتلميع الصورة بتقنيات عدة يتعرى الآن أمام حشودٍ كلُّ فرد منها يحمل في جيبه كاميرا ومقر صحيفة كامل، بينما مؤسسات السلطة الكونية التقليدية مازالت تشن حملات هجومها على هذه النوافذ المشرعة للجميع بحجة الخصوصية والحفاظ على سرية المعلومات، لكن يبدو أن مثل هذه الحجج لن تكون ذات قيمة لأجيال ولدت وسبحت في/ وتنفست هذا الهواء الجديد .

هارفي يقترح وصفة جمالية أخرى للخروج من الحالة؛ حيث من الممكن فهم ما بعد الحديث كحالة تاريخية جغرافية، وبناء على هذا المبدأ النقدي "يصبح من الممكن للسرد الروائي أن يشن هجوما مضادا على الصورة، وللأخلاقيات على الجماليات، ولمشروع ما (للصيروة) لا (للكينونة) ، والبحث عن التوحد في إطار الاختلاف.".

وهذه المهمة المكلف بها السرد الروائي للهجوم على الصورة، سبق وأن تكفل بها السرد الروائي في مواجهة السرد التاريخي المجحف، واستطاع أن يخترق تحصينات التاريخ، أو على الأقل الإشارة إلى نقاط ضعف قلاعه.

1 ـ بيتر بروكر (الحداثة وما بعد الحداثة) ترجمة عبد الوهاب علوب ـ مقالة جان بورديار (من الصور الزائفة وصور الزيف)، منشورات دار رؤية.
2 ـ بيتر بروكر (الحداثة وما بعد الحداثة) ــ مقالة ديفيد هارفي ( من: حالة ما بعد الحديث: بحث في جذور التغير الاجتماعي).