Atwasat

في قلب الحياه وعلى حافة الخطر

محمد عقيلة العمامي الإثنين 15 يوليو 2019, 11:55 صباحا
محمد عقيلة العمامي

يبتهج المرء عندما يجد الكفاءة، وحسن التدبر، والتصرف في من يمثله خارج بلاده. في بيروت زرت صديقا في مكتبه. رحب بي. تبادلنا المجاملة. سألته: "كيف هي بيروت؟ فأنا لم أزرها منذ اندلاع حربها الأهلية، سنة 1975". تبسم وأخرج من درج مكتبه قصاصات ورق منسوخ فوقها عمود الكاتب المتميز سمير عطاء الله بصحيفة الشرق الأوسط، عنوانه (أيهما أقسى) وأعطاني نسخة منها. قائلا: "هذا مقال قرأته من أكثر من سنتين.. ونسخته لأنه كثيرا ما يسألني ضيوفي سؤالك هذا، فاحتفظت بهذه النسخ لأنها شافية كافية!! ".

إليكم مقتطفات مما ورد بهذا المقال الذي استهله الكاتب بعجزه عن فهم (لبنان) طوال خمسين عاما، قال: 
"بلد من يقرأ صحفه ويسمع نشرات أخباره ويتابع تصريحات سياسييه يشعر أنها علامات الساعة، ومع ذلك يحقق نموا يقارب 10% (أعلى من الصين في ذلك العام).. بلد يتضارب فيه السياسيون بكلام يشبه النعال - أكرمك الله - ومع ذلك يتدافع العالم أجمع على ملء مصارفه بالودائع.. بلد كل كلمة سياسية تقال تكفي لتدمير ألف بلد.. ومع ذلك يبني رجاله الطرقات والجسور كأننا في سويسرا، أو في أمريكا"

ثم يقرر أن شركة طيران لبنان (الميدل إيست) عادت إلى سابق عزها تنافس 95% من شركات الطيران في العالم العربي... بلد يحدثك عن الحرب التي مضت والحرب التي سوف تأتي ومع ذلك ترتفع فيه المباني وترتفع فيه الأسعار 100% - تعد لبنان ثاني أغلى الدول العربية -" ويواصل قائلا: "بلد في قلب الحياة وعلى حافة الخطر. يائس ويغني، حزين ويضحك، ضعيف ويكد، ضئيل ومتفاخر، فيه قانون وليس فيه حكم، نهاره متعب وليله طرب. فقره كثير وبذخه أكثر.

سلطته غائبة وأمنه موجود.." ولو أصغيت إلى نشرة الأخبار ثلاث مرات متتالية لفكرت في الانتحار، لكن اللبناني يسمعها ويذهب للسهرة ويقرأ الكلام السياسي المليء بأسماء الحيوانات والتعابير المليئة بالأحذية، ثم يذهب إلى المسبح ليتشمس" ويواصل: "كيف يستطيع أن يسمع فيروز في سيارته وهو محاط بأقبح أخلاق وأوسخ سيارات؟" ويؤكد أن كل مايعرفه أن للمواطن اللبناني قدرة هائلة على الاحتمال". ولكنني تذكرت أن تعداد لبنان 18 مليون نسمه، 6 ملايين هم المقيمون فيه، أما 12 مليونا فهم منتشرون بامتداد العالم، يكادون يسيطرون على أسواق أفريقيا.. لهم وجود فعال في كل مكان، مبدعون مبتكرون.. ساعات (السواتش) التي انتشرت في العالم، مثلما ينتشر السلاح في بلادنا مبتكرها ومسوقها لبناني.. أموالهم يحولونها إلى مشاريع في بلادهم.. معظم ما يصل لبنان من أموال، هي مدخرات المهاجرين منهم. 

ثم انقبض قلبي! فمن لا يعرف أن الليبيين، الآن، ينهبون خزائن بلادهم ويحولونها إلى الخارج. فمعذرة يا أصدقائي لم أكن أنوي مقارنة الليبي باللبناني، ولكن لا أدري كيف وجدتني أجرى هذه المقارنة المؤلمة، فما يجري في بلدي الحبيب، وما جرى ويجري الآن في لبنان، أمر فوق ما يتصوره العقل! صحيح أن للمواطن الليبي قدرة مرعبة على الاحتمال، وقد أكدتها تجربة نصف القرن الماضي، وتؤكدها الخوارق التي تحدث كل يوم وبعلم الصغير قبل الكبير، هذا المواطن الذي بدلا من أن يبتهج بانتصاره، صار يتحسر مقهورا على بلد ينهكه، ويهده، ويفرغ خزائنه أهله، وبإجراءات رسمية، معتمدة من الجهات كافة، وتُهرب عيني عينك! بلد صنف ضمن أسوأ عشرة دول في ممارسة الديمقراطية، فيما صنفت لبنان ثاني أفضل دولة عربية في ممارستها. فماذا أقول أبلغ من مقولة إخواننا التوانسة: "تحب تفهم تدوخ!".

المقال منشور سنة 2015 في صحيفة الأحوال الليبية. أريد أن أعيد نشره تاركا لكم مساحة قد تحتاجونها لإضافة ما ترونه يستحق الإضافة!