Atwasat

مع الريح ضد التاريخ!

أحمد الفيتوري الأربعاء 10 يوليو 2019, 12:49 مساء
أحمد الفيتوري

(تتسم الحضارات بكونها، في نواح كثيرة،استجابات شجاعة وقوية، للبيئات الطبيعية) - توينبي

• في البدء

ليبيا يختزلها البعض بالقول: إمبراطورية الرمال، لكن حين تذهب في قراءة التاريخ، تجد أن الكتاب الرابع من تاريخ أبي التاريخ هيردوت، يخص ليبيا هذه. وحينا آخر، تبدو ليبيا وكأنها خارج التاريخ، ما هو معادل الجغرافيا، التي لا تذهب البتة، بل أنها من حقائق تضاريس الأرض، فالبحر المتوسط، سيبقي متوسطا، مهما حدث في التطور البشري، وحراك حضاراته. وفي تقديري أن تفسير ذا الحضور الطاغي والغياب المستغرب، يكمن في الجغرافيا.

كتاب (انتقام الجغرافيا *– ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير- تأليف المراسل الصحفي بالشرق الأوسط ،المفكر الأمريكي روبرت.د. كابلان) جاء فيه: "إن الجغرافيا المشتقة من كلمة يونانية، تعنى في الأساس (وصف الأرض)، ترتبط في كثير من الأحيان بالإيمان بالجبرية، وبالتالي فهي موصومة: فالتفكير جغرافياً يعني تقليص الخيارات البشرية".

ليبيا في هذا المحط نتيجة انتقام الجغرافيا أي حتميتها، ليبيا في المتوسط، ما هو قلب الأرض جغرافيا وتاريخيا، ولكن التضاريس، التي تمثل الصحراء الكبرى، تزحزح هذا التوسط، تركنه، فتغدو معبرا محفوف المخاطر، كما الجزائر، ما مع ليبيا يكون جيبهما تونس، "المركز الديموغرافي لشمال أفريقيا ليس فقط في ظل القرطاجيين والرومان، ولكن تحت حكم الوندال، والبيزنطيين والعرب خلال القرون الوسطى، والأتراك".

ذا ما يجعل ليبيا، كما جزيرة في محيط الرمال، التي تغمرها حينا، فتختفي من التاريخ. لكن تنقشع، بالحضور البشري المميز، منذ الحضارة الهلستينية فالفينيقية، ما أنتجا بنتا بولس/ المدن الخمس، وثري بولس/ المدن الثلاث، في مقدمة (انتقام الجغرافيا) تعليلا لهذه الجغرافيا: "بالنسبة لليبيا، فقد كانت منطقتها الغربية المتمثلة في إقليم طرابلس موجهة نحو تونس عبر التاريخ، بينما منطقتها الشرقية المتمثلة في إقليم برقة أي بنغازي موجهة دائما نحو مصر".

• وفي الأخير!
هكذا حدثت الجغرافيا فقالت، فصدقها التاريخ، أي أن ليبيا، التوسط في شمال القارة (بحر الرمال)، كما في البحر المتوسط، مما حتم أنه ليس بالمستطاع، أن تكون الرقعة دون حضورها الطاغي، بل أنها حلقة الوصل، جذع جسدها ما بطنه جنوبها، وغيابها الموصوف بأنها حينا آخر، تبدو وكأنها خارج التاريخ، تكون في عمقه حين يسيطر الصراع والعنف، ما ينتج ظهور مرحلة تاريخية جديدة في دنيا البشرية.

ودائما ما يكون التاريخ، محط إعجاب أو ازدراء، في حين تكون الجغرافيا، كما القدر بعيدة عن الحسبان، رغم أن الجغرافيا، في أحايين تكون أب وأم التاريخ معا.

لقد كان يوسف القرهمانللي، إمبراطور عصر القرصنة في البحر المتوسط، القرصنة ما كانت المفصل الرئيس، بين العصور القديمة والعصر الحديث. والغريب أن ذا الإمبراطور التراجيدي، مَنْ سيقاد أعمي إلى المنفى، مِنْ بلاد كانت المملكة، في عصر تفتت الإمبراطوريات الكبرى وطغيان الصغرى، في عصر موت الريح وهيمنة عفريت البخار، وحينها كانت الامبريالية الغربية، قد بدأت الهيمنة الكبرى على العالم الحديث، وقبل كان يوسف القرهمانللي البطل التراجيدي، من جدف مع الريح وضد التاريخ.

من المصادفات التاريخية، أن ذا الرجل الضد التاريخ، سيساهم في إرساء لبنة من لبنات التاريخ الراهن، وذلك عندما فرض إتاوات، ما رآها مجحفة، صحاب الأسطول التجاري الأمريكي، المستحدث في البحر المتوسط. لما رفضت أمريكا الناشئة، دفع الإتاوات، أعلن يوسف القرهمانللي عليها الحرب، التي عرفت بـ (حرب السنوات الأربع/ 1802 – 1805م)*، ومن أثر هذه الحرب، نشأت القوات الحربية الأمريكية، ما يحتوي نشيدها، على ذكر لهذه الحرب، ومدينة طرابلس حتى الساعة.

لقد كانت مواشير نهاية العصور القديمة، وبزوغ العصر الحديث، تسطع في البحر المتوسط، حين كان الاقتتال من أجل الهيمنة، والنفوذ على البحار الداخلية، تكملة لما تم، من الهيمنة على المحيطات، وفي هذا "ليس عليك أن تكون مؤمنا بالحتمية الجغرافية، لكي تدرك أن الجغرافيا، تمتلك أهمية حيوية. وكلما ازداد انشغالنا بالأحداث الجارية، ازدادت أهمية الأفراد واختياراتهم، ولكن كلما ازداد تدبرنا لما وقع في القرون الغابرة، ازداد اقتناعنا بأن الجغرافيا، تؤدي دورا مهما." أو كما قال المفكر الأمريكي روبرت.د. كابلان في الكتاب المذكور.

هكذا كما كانت هذه البلاد في البدء، بدء التاريخ، في البؤرة، كانت فاعلة، بمعنى ما، عند بدء العصر الحديث، والفاعلية في الحضارة البشرية، تتميز بالتنوع والتعدد في الكم والكيفية، رغم مركزيتها الجغرافية، وإن التاريخ ينقش الفاعلية، على جناح الريح، ولهذا تتنقل وتسافر، وتسفر النتيجة في المحط الجغرافي الأكثر فاعلية في اللحظة.

* انتقام الجغرافيا – روبرت دي كابلان- ترجمة د.أيهاب عبد الرحيم علي – عالم المعرفة - العدد420 - يناير 2015

**مجلة (التاريخ العسكري) الأمريكية، العدد الشهري، الصادر في يوليو 2019م، كان غلافه لوحة تخيلية تشكيلية: سفينة فيلادلفيا المحترقة أمام شاطئ طرابلس، التي أسرتها قوات البحرية لإيالة طرابلس عام 1802م، ويحتوي العدد على ملف بثمان صفحات، حول ما اعتبر انتصارا للبحرية الأمريكية، أي حرق جنود البحرية الأمريكية للسفينة المأسورة.