Atwasat

عنهم في يومهم

محمد عقيلة العمامي الإثنين 08 يوليو 2019, 12:15 مساء
محمد عقيلة العمامي

عشت في ليبيا وخارجها طوال سبعة عقود. عاصرت ليبيا الملكية، وليبيا الجماهيرية، وليبيا إلى أين؟. عاصرت القرش المصري، بصورة الملك فاروق، متداولا في بنغازي، ورددت مع أطفال مدرسة الأمير عند عودتنا إلى شارعنا نشيد: "يا محمد يا نجيب يا حته سكره" عاصرت عصر محمد نجيب، ونفذنا أمر الرئيس جمال عبد الناصر عندما قال: "ارفع رأسك يا أخي.." وعشت زمن الرئيس المؤمن أنور السادات، ثم الرئيس حسنى مبارك، وسنة السيد محمد مرسى، وما زلت أتابع مجهودات الرئيس عبد الفتاح السيسي مستبشرا خيرا لمصر العظيمة، وليبيا العظيمة أيضا.

عشت سبعة عقود ونصف وأطمع أن أردد قريبا بيت زهير بن أبي سلمى:
سَـــئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَســـأَمِ

طوال هذا العمر، الذي أكذب إن قلت إنه كان مزريا! لم أدعِ أبدا أنني "مناضل" أو "معارض" أو حتى مهتم بالسياسة. لم أرفض الحكم الملكي، ولم أغب عن سحابات دخان "العراسة" مرددا مع الهائمين أغنية: "حلال الجلاء منك يا بنغازي" عندما كان الشباب يرون أن بلادنا كئيبة، ورجعية! الملك رحمه الله كان بالنسبة لي رجلا طيبا وأنني لم أر جورا من عائلته السنوسية، بل كانت عائلة مباركة تصارع الحياة مثلنا تماما، يسري صاحب دكان بقالة، يزاحم البقالين أمام محلات الجملة في شارع بوغولة والأستاذ حمبلي مدرس كأي مدرس ليبي ويعشق فريق الأهلي وفيصل فخري مأخوذ بكرة القدم.. وراشد الزبير لم يغب بأشعاره عن مدرج رفيق بكلية الآداب. وكان عهدا مباركا منح الفرصة لكل من يريد التفوق والنجاح.. لم يقفل أبوابه أمام أي مجتهد.

وأي نظام أسس جامعة في دولة صنفت ثالث أفقر دول العالم بعد خمس سنوات من استقلالها؟ ثم يعلن أديب مصر الكبير الدكتور طه حسين، عبر الأثير أنها أفضل الجامعات العربية!

ولكن شركائي في الوطن رأوا ما لم أره وقرروا تغيير النظام. ولم أعارضهم وحتى بعد أن جنحوا نحو ما رأيته حينها أنه ظلم لم أعارضهم، وإن كنت غير راض عن أشياء، كنت في الوقت نفسه راضيا عن أشياء أخرى. وقامت ثورة فبراير، ولم أعارضها وإن كنت قد تهورت، واندفعت مع المندفعين من دون أن أعلم إلى أين كانوا منطلقين.. كل ما قلته: "إننا لسنا مؤهلين لثورة.." وهذا موثق في كتاب المرحوم إدريس المسماري صفحة 164

ولم يخطر على بالي أبدا أن أكون "محللا سياسيا" ولا موظفا يعد برامج توثيقية. صحيح أنني كنت بالفعل أتطلع من مرحلتي الإعدادية إلى أن أكون كاتبا، ولكنني خنقت هذه الرغبة، لأن همي كان الخروج من نفق الفقر والعوز، وأن أشيد لسي عقيلة و(بنياته) منزلا يملكه، وكان ذلك كل حلمه! وعدت من أمريكا سنة 1970 بسبب هذا الحلم، وحققت ما أريد، بما يرضي الله، وبما يحفظ سمعتي، وسمعة سي عقيلة، وما إن ارتحت من اللهث وراء لقمة العيش حتى بدأت رحلة اللهث وراء الكلمات، التي كنت قد أخفيتها، ولكنها ظلت كجمر تحت الرماد! قدمت نفسي مع كتاب التسعينيات، ولم أكتب سوى أدبيات ثقافية إبداعية في القصة القصيرة، وفي المقالة، والرواية، ولم أدع أبدا أنني مؤرخ أو موثق. معلوماتي عن هذا الجانب المهم والكبير والعميق لا تبتعد عما يهمني شخصيا.

ولما كلفتُ بعمل بسيط وهو إعداد فقرات قصيره مكثفة عن شخصيات أثْرَت بشكل ما حياتنا ورحلت عنا، ويتعين أن نُذكر أبناءنا بها، اكتشفت أن كثيرين ما كان مني أن أغفل عنهم. وهذا ما جعلني أهتم كثيرا بالبحث والغوص في مسيرتهم، ولا أخفي أنني استفدت كثيرا وتعلمت كثيرا، ووقفت مرات أمام مرآتي أعاتب نفسي على جهلي بما كان لا ينبغي أن يغيب عني.

وسألت نفسي: كيف لا يجد الباحث شيئا عن المرحوم المبروك البسيوني على سبيل المثال سوى مقولته الشهيرة: "بنغازي رباية الذايح"؟ وهو الذي راجعت الدولة حساباته العسكرية بلجان غير ليبية، فخلصت إلى أن حساباته العسكرية هي أدق حسابات الدولة التي راجعتها كافة. كيف لا نذكر الناس بهتافات شباب جمعية عمر المختار، التي أصرت على أن تكون ليبيا واحدة موحدة، وهي التي وثقها الأستاذ مفتاح السيد في مقالاته التي نشرها يوم 9/7/2006 في موقع ليبيا المستقبل: إنه لن ينسى بشير المغيربي، يوم رفعه شباب جمعية عمر المختار على أكتافهم: "مع رفيقه في القيادة محمود مخلوف في يونيه 1949 لنقتحم (قصر المنار) الذي أعلن منه (الأمير) استقلال برقة هاتفين:لا استقلال بدون وحدة" و" لن نفرح وطرابلس تحزن"! غير أنني وجدت من يرى في رموز أخرى غير ما وجدت.

اهتمامي وانفعالي بالموضوع أوقعني في أخطاء ولكن عذري أنني لم أبتدعها، ولكنني وجدتها منشورة في عدد من المواقع، وكان علىّ أن أسال، وكان على الذين سبقوني أن يشيروا إليها، وصححوها، خصوصا وأنها وهي مكتوبة في أكثر من موقع. ولكن رب ضارة نافعة فلقد قررت ألا أتوقف عن تنفيذ هذا العمل لقناعتي به، وأن تكون مراجعي هم أهل هذه الرموز ورفاقها، والذين سبقوني ولقد تبنيت هذا المنهج، فلا أحد لديه في عائلته من يفخر بهم ويبخل بمعلومة عنه.

أشكر مرة أخرى كل من انتبه لخطأ في معلومة ما، ونبهني إليها. كما أشكر كل الذين تفاعلوا ولم يبخلوا بالمساهمة في هذا الواجب، واعلموا أنني أفرح بأي تصحيح أو تعديل أو إضافة حتى وإن جاءتني بعد النشر، لأنني سوف أصححها وتكون معلومة صحيحة ومعدلة وفي متناول من يبحث عنها لاحقا، لأن المعلومة الجيدة كضوء الشمس.. مصيرها أن تشرق حتى وإن حجبت بفعل فاعل.