Atwasat

ما من صداقته بد

أحمد الفيتوري الثلاثاء 02 يوليو 2019, 12:37 مساء
أحمد الفيتوري

1-
الوراثة ليست خيارا، فما يسكن الجينات ليس مؤجرا بل المالك، مثلما أن المرء لا يختار أمه أو وطنه، ولذا ما يوهب المرء في هذا الحال قدره، الذي عليه أن يقبل به ويتعايش معه، كما المرض العضال، ما لم يُجدِ شيئا التبرم منه والسخط عليه. ذات يوم أفقتُ عند الضحى، فإذا بي أجد خرقةً بيضاء، معلقة على الحائط المقابل لي، مكتوبا عليها البيت الشعري الشهير للمتنبي: 
ومن نكد الدنيا على الحر 
أن يري عدوا له ما من صداقته بدُّ

بدا وأن زميلي في الزنزانة، ما تضم رفاقا غيري، يتبرم من وجودي معه كما خُيل لي، ولم أجد مبررا لذا التخيل، غير أن اليافطة معلقة قبالة وجهي. كان الفاعل الشخص النكدي المتبرم من يضيق بنفسه، ولم أجد وغيري سبيلا لأن نفارقه أو يفارقنا، فليس ثمة من يختار السجن سكنا، ولا رفاق الزنزانة، التي كما الوطن، ما لا تختار أن تولد فيه، وإن تتح الهجرة طريقة للخلاص، فإنك موسوم به.

بدونا لذا الرفيق المرض العضال، العدو ما من صداقته بد، حيث ليس ثمة مكنة للفراق في هكذا حال، حالنا في زنزانة لم نخير أن نكون بها، في بلاد أصحاب الرأي فيها، مكانهم السجن عادة.

للخلاص من هكذا معضلة، عملنا أن نكون أصدقاءه حقا شاء أم أبى، فقبلنا تبرمه، وقلنا لأنفسنا كما يقال الاختلاف لا يفسد للود قضية، خاصة وأن المحنة تجمعنا، وبعد صبر ليس بالطويل، روضنا هذا الحصان الجموح، وإن لم يقبل ذلك، فالطبع يغلب التطبيع!.

فقد واصل بعد الخروج من السجن رفع شعاره: 
ومن نكد الدنيا على الحُر 
أن يرى عدوا له ما من صداقته بدُ

خاصة وأنه انزوى علي نفسه، فقد رأى في كل ناجح منفتح على الحياة عدوا، نعم يمكنه مفارقته في هذا الحال المستجد والأفضل، لكن المعضلة أن صاحبنا خرج من السجن، لكن السجن لبس جسده وأسر روحه.  

2-
كذا خرجت ورفيق ليس من صداقته بد، مرض السكري، ما يعرف الكثير من الناس خاصة الأطباء، لكن لا أحد يعرفه حقا غير المريض، فهو ما لا يوصف، وما لا يرتكن إلى طريقة للتعامل معه ولا دواء، كأنه المرأة اللعوب من تُحب ولا تُحب في نفس الوقت، نعم تُحب نفسها أكثر، لكنها تُحب أن تُحَب أكثر.

السكري ليس فيه من السكر شيء، فالسكر ما يخفي وجوده في غير السكر، كما زيادته في الدم مهلكة، نقصانه كارثة، أما التوازن المنشود فهو ضرب من المستحيل، لأنه وإن ممكن القبض عليه مدسوسا في طعام المرء، فإن ذا الطعام مرتبط بالجسد والنفس معا.

شروط التعامل مع السكري باهظة وصعبة المراس، لا يكفيه أن تمارس ما يجب من انضباط يرسمه الطبيب، فالمخاتلة ديدنه لذا لا أمان معه، خاصة الفكرة الرائجة حول مصادقته التي تُنسي المرء عدوانه السافر، فالصداقة المروجة تبتغي تحويله لعدو مضمر، وهذا يساعد على جعله كالمرأة اللعوب جذابا فمثيرا، كأنه ليس بمرض عضال.

مرة في حفل صاخب بمناسبة عزيزة على نفسي، ما أطلقت سراحها من قيودي، فقد أردت أن أستريح من متاعب الضبط والربط العسكري، المفروض من قبل جنرال المرض: السكري. فعلا أكلتُ أكثر مما يجب واحتسيتُ العصائر كما لا يجب، فغلبني بطبيعة الحال، وصرعني الجنرال في أول المبارزة، في المستشفي شرحتُ حالتي، وكما مُعتاد طلب الطبيب أن أعطى جرعة زيادة من الدواء. لحظتها استيقظت من أثر تداعي الذاكرة الصلدة عندي، حيث خطر في بالي، أن كاتبا شهيرا مات من أثر أعطاءئه جرعة أنسولين، ثم تبين نقصان السكر في دمه بعد وفاته. لذا طلبت قياس سكري ما تبين نقصانه، رغم ما أكلت وتجرعت من سكريات مضاعفة أكثر من اللزوم. 

قلت للطبيب المداوي، داوني بالتي هي الداء، ألم تسمع ببيت الشعر الذي يحوي ذا المعنى، ما فاتني ذكره أني في الحفل كنت فرحا، زاد نشاطي وحركتي وسروري، فكما أكلت أحرقت السكر مما يستوجب الزيادة منه، فالجسد عندها حرسته النفس الوثابة.