Atwasat

في البلاط الملكي.. ذات مرة

جمعة بوكليب الإثنين 01 يوليو 2019, 12:31 مساء
جمعة بوكليب

بريطانيا بلد عريق، وغني بتقاليده وأعرافه. التقاليد والأعراف جسور تعمل على شد الماضي بالحاضر، وربط ضفتي نهر الزمن. نهر، بروافد عديدة، غير متوقف، وبعلاقة متناغمة، مع ما يتراكم على ضفتيه. وهي، أيضاً، علاقة منسوجة، بدأب تاريخي، بين ثنايا وحنايا ماضيه البعيد، ووضوح تفاصيله المعاصرة، وتشعباتها. وربما لهذا السبب يمكن للزائر أن يعبر المسافة، بين الضفتين، بسهولة ويسر. التقاليد والأعراف تمتد في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي المعمار، وفي السياسة، وفي الدين، وفي الجامعات، وفي الرياضة، والدبلوماسية.

من التقاليد السياسية التاريخية أن جلالة الملك/الملكة، كل عام، قرب فترة عيد الميلاد، توجه دعوات لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى البلاط الملكي. الدعوة توجه باسم العاهل عبر القناة الرسمية الممثلة في جهاز المراسم، وبتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث. 

وحدث أنني، بصفتي الدبلوماسية، تلقيت دعوة في شهر ديسمبر عام 2016 من القصر الملكي لحضور الحفل السنوي، مع زميل دبلوماسي آخر. مرفوق بالبطاقة ما يتوجب على الضيوف، رجالا ونساء، ارتداؤه، في هذه المناسبة ، من أزياء وبدلات، وغيرها. ولأن خزانة ملابسي في البيت لا تحتوي على ما تضمنته الدعوة الملكية، اضطررت للجوء إلى الشبكة العنكبوتية بحثاً عن الأمكنة المتوفرة بها تلك الأزياء والبدل. وبالفعل، عثرت على الكثير، وزرت واحداً منها، وقمت باختيار ما يناسبني من ملابس، ودفعت ثمن ايجارها ليوم أو اثنين، ورجعت بها إلى البيت. في مساء اليوم المقرر ارتديت ملابسي وتجهزت، ثم توكلت على الله في طريقي إلى قصر باكنغهام الملكي. 

كنت أمنّي النفس بعشاء ملكي فاخر، بفخامة معمار قصر باكنجهام وعلو منزلة تاريخه. لكن الأمنية ظلت أمنية، بعد أن تبيّن لي، أن السفراء، فقط، هم المحظوظون بالدعوة، وبالجلوس إلى مناضد العشاء، في صالة تجمعهم مع الملكة، وبعلها، وولي عهدها، وأفراد أسرتها. أما بقية الدبلوماسيين، أمثالي، فقد كان عليهم التواجد في صالة أخرى كبيرة، ومزدحمة، حتى تنتهي الملكة وأفراد أسرتها، وكبار رجال الدولة، والضيوف السفراء من العشاء، كي تتعطف عليهم بطلعتها، وابتسامتها، ومن الممكن مصافحتها، وتبادل كلمات قليلة معها. 

حين اقترب الموعد المأمول، طلب رجال المراسم من الدبلوماسيين، في الصالة، أن ينتظموا بالوقوف في صفين متقابلين، تاركين بينهما مسافة كافية، كممر طويل، تتيح للملكة وأسرتها المرور، وتبادل التحيّات. وقفت، كغيري، في أحد الصفين، ممتلئاً بالترقب، ومنتظراً الطلعة الملكية. وقف على يميني زميلي من السفارة الليبية، وعلى يساري دبلوماسي من ككلطو سوازيلاند. وللعلم، سوازيلاند مملكة صغيرة، تقع في وسط جنوب أفريقيا بحدود مغلقة،من ثلاث جهات، ورابع يطل على الموزمبيق. وشعب صغير العدد، وبها أعلى نسبة في العالم للمصابين بمرض نقص المناعة (ايدز)، ويشتهر رجالها بالكسل، وكثرة تعدد الزوجات. 

كانت جلالتها أول من وقعت عليه عيوننا. عجوز امتص نضارتها الزمن، فتقلص حجمها منكمشاً من ثقل سنوات عمرها. ترتدي فستانا أبيض، وقفازات يد طويلة بيضاء، وتضع في جيدها عقد زمرد، وعلى رأسها يتربع تاج. لاشيء يميّزها عن أي امرأة عجوز ارستقراطية، سوى ما يتألق في عينيها من بريق ملكي، يشي بحيوية لم يصل إليها تأثير الزمن بعد. وراءها مشى زوجها العجوز، وفي أثره ولي العهد وزوجته، ثم ابنه وليام وزوجته. كان بقية أعضاء الأسرة، من الرجال يرتدون أزياء أنجليزية تراثية، قمصان فضفاضة، وفوقها بزات مزركشة أشبه بالفرامل. السراويل التي تصل إلى تحت الركبة بقليل، ومشدودة، وجوارب طويلة، وأحذية غريبة، مسطحة، تذكرك بحاشية الملك هنري الثامن في بلاطه في القرن السابع عشر. النساء ارتدين فساتين طويلة، مثل الملكة، وقفازات إلى المرفقين، وحملن في أياديهن باقات ورود. عقود من الجواهر تحيط ببياض ورقة أعناقهن، وابتساماتهن تيجان مرصعة بالود والبهجة.

كانت الملكة تتوقف في سيرها البطيء، محيية بعض ضيوفها مصافحة. وتَوزَعَ زوجها وبقية العائلة وراءها يصافحون، ويحييون ضيوفهم، متنقلين بين الصفين. جلالتها تجاهلتني، ومرّت، من أمامي، دون مصافحة، أو حتى نظرة خاطفة. زوجها العجوز انشغل بالحديث في الجهة المقابلة مع دبلوماسين آخرين، لكن زوجة ولي العهد كاميليا، توقفت أمامي، ومدت يدها للسلام، وابتسامة تشع من ثغرها وعينيها. سألتني الأسئلة المعتادة من أين جئت، وكيف وجدت بريطانيا، ثم حيتني وانصرفت. بعدها جاء دور زوجها صاحب السمو الملكي الأمير تشارلز، أمير ويلز. توقف أمامي، مصافحاً ومحيياً، بعد أن سألني من أي بلد أنا، وغادرني متمنياً لي عيد ميلاد مجيدا، ومتوقفاً أمام جاري، السوازيلاندي، الواقف على يساري. أعاد معه نفس ما قاله لي، لكنه وهو يغادره، سأله بصوت خافت جداً، وابتسامة ماكرة تعلو شفتيه: " كم زوجة لديك؟".