Atwasat

الوطنية تاريخ على المحك

نورالدين خليفة النمر الأحد 30 يونيو 2019, 01:00 مساء
نورالدين خليفة النمر

تأبطت نوفمبر 1974 ملف ثانويتي، مسافرَ ليل، في حافلة مرفق بطلب انتقالي من كلية تربية طرابلس، التي تسمّت وقتها مجازاً بمالطا لتوّحدها جزيرة مزجت جدِّية التعليم برفاه التربية وإحساسها. وهدفي تغيير تنسيبي إلى كلية آداب بنغازي. أنزلني فجر الخريف الأخير، في المحطة الرئيسية بسوق الفندق، فجلست في أول مقهى مفتوح مستحضراً الوقدات انطباعات الكاتب عبدالله القويري الأنثروبولوجية في كتاب سيرته، وقد هبطت به عام 1957 شاحنة بضائع يحوزشهادة من جامعة القاهرة في الجغرافيا والانثروبولوجيا، عائداً من مغترب عائلته المصري إلى مدينة ذويه المصارتة ليؤمنوا له وظيفة في بنغازي.

بورقة توصية من قريبي علي الشقروني، الخبير التأميني المعروف والمحامي ، إلى زميله الذي عمل معه في هيئة التأمين الاجتماعي فرع بنغازي أثناء دراسته في كلية الحقوق. أخذني بسيارته الجديدة نوع"B.M.W" إلى مكتب مسجل الكلية المعروف سليمان قرقوم. فاستقبلنا بوقاره ودماتثه، ووعدني خيراً بأن يتم قبولي مع طلاب آخرين في الآداب. كان عميد الجامعة العالم المرموق بتآليفه وترجماته في الجغرافيا والتاريخ الليبيين: الزاوي الهادي ابولقمة، ورؤساء الأقسام جُلّهم من المصارتة: اللغة العربية وعمادة الكلية محمد دغيم، والفلسفة محمد ابوالروين، والاجتماع ياسين الكبير، والتاريخ سالم الشيباني، والجغرافيا منصور الكيخيا من كراغلة مصراتة أعيان بنغازي.

هذه التوطئة المعرفية التجربية في جامعة بنغازي، ستكون مدخل مقالي في تفسير ماورد بالنص على الفيس بوك في صفحة أستاذ تاريخ ليبيا المُعاصر صلاح الدين السوري من أوائل خريجي الجامعة الليبية آداب بنغازي والمحاضر فيها حتى منتصف سبعينيات القرن الـ 20 بأن "جامعة بنغازي بقرار من مجلس إدارتها أيدت الهجمة العدوانية الشرسة التي شنتها "ميليشيا الكرامة" مستهدفة "فتح"مدينة طرابلس بالقوة، وبعد التأكد من خلال صفحتها أن تأييدها كان صحيحا، صدر منها و لم يكن مزورا عليها، أبديت أسفي لذلك التأييد الذي صدر من مؤسسة علمية رسالتها الانحياز إلى السلام وحقن الدماء، وحل المشاكل بأساليب التفاوض وبالوسائل السلمية، المنصوص عليها في المواثيق وفي القوانين المحلية والإقليمية و الدولية."

لا أتصوّر أن يكون أحد الموقعين على هذا البيان المؤسف أستاذا مرموقاً من أساتذة جامعة بنغازي الذين لاشك أنهم تقاعدوا، وضمنا ممن أصولهم من مصراتة الغالبية المتميّزة من طاقم التعليم فيها. لأن أحد شعارات الحرب على طرابلس زعم الشراذم الموالية لمُسمىّ الجيش في مناطق قبيلة ورشفانة وقبائل ترهونة، والنواحي الأربعة، والعُربان أن العاصمة موئل الجماعات التي سميّت بالإرهابية والنافذة في حكومات طربلس منذ أحداث فجر ليبيا 2014 التي ترسل الجرّافات المعبأة أسلحة وذخائر في دعم أنصارهم في بنغازي من الإسلاميين كمجلس شورى القاعدة ـ بنغازي، وغيرها من الجماعات الإرهابية التي ينتمي جُل قادتها وعدد كبير من عناصرها إلى عوائل مصارتة بنغازي ـ الذين هُجروا إلى مصراتة وطرابلس ـ الذين أنشأوها منذ القرن الـ 18 وأرفدوها بالمهاجرين حتى أربعينات القرن الـ 20.

عشنا عام 1974 أشهر خريف سلس، وحفنا ترحاب وكرم حاتمي، من المسؤولين على الجامعة والعاملين بها.عوضنا خسارة كلية تربية طرابلس وكافيتريتها، وزخم الأجواء الطلابية المنفتحة على الثقافة والموسيقى الغربية والمسرح والصحافة الحائطية الجامعية: إحداها "المحطة" التي تتصدر الـ "هايدبارك" بين كليتي التربية والزراعة، وأخرى في كلية التربية تحرّرها جمعية الشاعر النهضوي أحمد الشارف، والثالثة باسم جمعية ابن خلدون، وكل زخم المدينة في الجامعة الذي سيقضي عليه لاحقاً في أبريل 1976أنصار السلطة من الطلاب الريفيين القادمين من دواخل طرابلس، مكملين ما شرعه عبر ماسمي بالثورة الشعبية والثقافية أبريل 1973 المسؤولون القادمون من الدواخل والأطراف ذاتها الذين بوأهم قادة الانقلاب مناصب في تنظيم الاتحاد الاشتراكي في نسخته المصرية خليط الناصريين مع حركة القوميين العرب من تيار الكاتب القومجي المصري عصمت سيف الدولة، لنجد عام رجوعنا 1979ماتركناه في طرابلس من زخم المقاهي والأندية الرياضية ونشاطاتها الثقافية، والفرق المسرحية صار في مجمله قاعاً صفصفاً.

ولسبب لم نستطع تبيانه وقتها قابلتنا بنغازي بخمول هيمن علينا. ربما سببه المناخي الأسباخ المحيطة بالمدينة، والتوزع الديموغرافي الفوضوي، الذي أفقد المدينة مركزها الذي كان ضعيفاً مقارنة بمدينة طرابلس الكولونيالية والكومبرادورية مابعد تصدير البترول، وربما ما طرأ من تغيرات في الديموغرافيا ونمط المعاش، والسياسة، التي بدأت تتوجّس من المناخات الرمادية القادمة: قرار الطلاب برفض الالتحاق بالتدريب العسكري المتقدم، وقمع تظاهرهم عشية 14 فبراير 1975، واقتحام بيوت السكن الداخلي التي خوت من طُلاب الشرق الذين هربوا إلى بلداتهم. حيث جُرّ الطلاب القادمون من ثانويات الغرب إلى الثكناث ليلاً في مشهد مُهين، وبعضهم قبض عليه في مطار بنينة، والبعض في بوّابات افتعلت غرب أجدابيا لاستهداف الطلبة من واحات الجفرة ومن مصراتة حتى أقصى بلدات الغرب الليبي.

ثم تأتي تداعيات الانقلاب العسكري المُفشّل أغسطس 1975 بحكم غالبية قياداته من ضباط مصراتة في التنظيم الانقلابي، فكان مؤشراً إلى أن المصارتة سيوضعون هدفاً لسحب نفوذهم خارج لعبة السلطة واستئصاله، في العاصمة، والأخطر تقزيمه في مدينة نفوذهم الثانية بنغازي لصالح غرمائهم القبليين، ومكونات قبلية مغمورة ترغب في حيازة أدوارهم السياسية التي أرهصت لها حيويتهم التجارية على امتداد ليبيا. هذه الموضعة تجد ضالتها في أحداث يناير 1976 الذي برز فيه الطُلاب المصارتة، حيث أججوا مع الآخرين رفضهم هيمنة السلطة على اتحاد الطلبة، والمطالبة باستقلالية الجامعة. وهي المطالب التي ستُفسخ في 7 أبريل 1976 بواسطة الانقلاب المضاد على شرعية إتحاد الطُلاب، والشروع في القمع المبرمج للحركة الطلابية وسحقها بكل الوسائل. فيمهد ذلك للتغيير المجتمعي الفادح الذي نظر له الكتاب الأخضر في فصله الثاني المكرس للحل الجذري للمشكل الأقتصادي.

من خلال الأصداء التي تناهت إلينا طلاب الثانويات مما لمسناه ممن انتسبوا وقتها للجامعة الليبية بفرعيها الأدبي والعلمي، من 1956 حتى عام 1969، وأخبار الصحافة وبرامج الإذاعة والتلفزيون كبرنامج وجها لوجه. استشعرنا روحا وطنية بناءة سادت الأجواء الجامعية، لعب فيها المصارتة القادمون من مصراتة والقارّون منذ ثلاثة أجيال في بنغازي دوراً في الترّقي بالطالب الليبي عن متبطّات المجتمع، ومنها الروح القبائلية والجهوية. إلا أن 7 أبريل 1976 كان المحكّ لوطنية بدت هشة، فالقيادات التي تناست بالكاد قبلياتها وجهوياتها وتوّحدت بصعوبة وراء المطالب والأهداف الطلابية الوطنية تركت فراغاً أحدثه تغييبها في المعتقل السياسي، فكان العامل شبه الحاسم لإعادة دّق إسفين الانقساميات الليبية، وتداعياتها التي ستسفر عن الحرب الأهلية المشتعلة من أحداث فجر ليبيا صيف 2014 إلى العدوان الناشب على تخوم طربلس صيف 2019. فيما تكهن به مقال الكاتب عمر الككلي بـ "الوسط"بـ "تعزيز دور مدينة مصراتة على طريق طموحها لحكم ليبيا، في أن تكون عاصمة بديلة أو، على الأقل، عاصمة موازية لطرابلس".

وهو الأمر الذي يعزز معطياته الخبر الوارد في صحيفة الوسط الأحد 23 يونيو 2019 عن لقاء المبعوث الأممي، غسان سلامة، وفد المنطقة الشرقية الذي استبعد مصراتة وضم قبائل المغاربة، والعواقير والمعدان (سرت) والفواخر والزوية والتواجير والفرجان والعبيدات والمنفة. الذين طالبوا الأمم المتحدة بضرورة العمل على تحقيق توزيع عادل للثروات الليبية. وقد تجاوب المبعوث الأممي مع مطلبهم مؤكداً عزم الأمم المتحدة بجميع وكالاتها على تعزيز وجودها في المنطقة الشرقية انطلاقًا من بنغازي بدون مصراتة التي تقصي نفسها من تاريخها بأخطائها.