Atwasat

مفارقة ذكرى الإنزال في نورماندي.. وأمير

جمعة بوكليب الإثنين 24 يونيو 2019, 12:22 مساء
جمعة بوكليب

هناك مفارقة تاريخية تستدعي الاهتمام وهي أن الاحتفال الذي تمّ، مؤخراً، في بريطانيا وفرنسا بإحياء الذكرى الخامسة والسبعين للإنزال البحري لقوات الحلفاء على الشواطيء الفرنسية، إيذاناً ببداية النهاية لهزيمة النازية، وحضره رؤساء الدول التي شاركت جيوشها في ذلك الهجوم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا، تزامن حدوثه مع رغبة بريطانيا في الخروج من الاتحاد الأوروبي.

المفارقة هي أن الاتحاد كيان وجد، في الأصل، بهدف منع تكرار تلك الحرب المهلكة، بين دول أوروبا وإحلال التعاون بينها، في مناخ دولي يسوده السلام، وتخيّم عليه الرغبة المشتركة في العيش سوياً بعيداً عن التهديد باستخدام قوة السلاح، واللجوء إلى حكم القانون الدولي في أي منازعات. ولهذة الغاية ساهمت بريطانيا بنصيب كبير في تأسيس محكمة العدل الدولية، وفي وضع اتفاقية حقوق الإنسان. وأن تقرر بريطانيا، الآن، وفي هذه الظروف الدولية المربكة سياسياً، بمحض إرادتها، التخلي عن عضويتها في ذلك الكيان الأوروبي الذي حفظ أوروبا من مخاطر الحرب والدمار، وأن توليه ظهرها على أمل أن تعيد بناء علاقاتها مع العالم، حسبما يدعي دعاة الخروج، فذلك أمر يدعو إلى التساؤل مرتين:

المرة الأولى: كيف لبلد مثل بريطانيا، ذاق مرارة حربين عالميتين مهلكتين تجاهل حقيقة أن الاتحاد الأوروبي جدار صلب تتكسر على صلابته كل دعوات التهديد بالحرب، وجسر إنساني مهم ربط دول القارة العجوز في كيان سياسي واحد، يهدف بالغاية والوسيلة إلى تحقيق الرفاه والسلام والازدهار لشعوب أعضائه من الدول، ويتيح لها الوقوف في صف واحد لخدمة مصالحها والدفاع عنها؟

المرة الثانية: مع أي دول عالم آخر سيقوم دعاة الخروج من الاتحاد بتأسيس علاقات تعاون اقتصادي وتجاري؟

الغريب أيضاً، أن الولايات المتحدة الأمريكية في عهدي الرئيسين جون كينيدي، وخليفته ليندون جونسون، مارست ضغوطا سياسية واقتصادية على الساسة البريطانيين، وقتذاك، لتكون بريطانيا داخل أروقة وصالات مباني الاتحاد وليس خارجها، لكي تمارس دورها بالمشاركة في رسم وتصميم سياسته. هذا بدوره يقود إلى تساؤل حول الدور الأمريكي، الآن، ممثلا في الرئيس دونالد ترمب وتحريضه المستمر للساسة البريطانيين على الإسراع بمغادرة الاتحاد!.

الرئيس الأمريكي حضر الاحتفالات، وشارك فيها، بدون أن يحاول تذكر الأسباب التي دفعت بلاده إلى الدخول في تلك الحرب، وما قدمته من تضحيات، من أجل قهر النازية والفاشية، ومن أجل أن ينعم العالم بما يستحق من سلام. وهاهو، منذ أن استلم مفاتيح مكتبه في البيت الأبيض، بواشنطن، خرج على العالم حاملا مقصاً في يده، بغرض قطع جسور الصداقة والتعاون الأمريكي – الأوروبي الذي وطدته الإدارات الأمريكية السابقة، رافعا شعار "أمريكا أولا"، وساعياً إلى تشييد الجدران الاسمنتية والسياسية بينها وبين دول العالم. أليست هذه مفارقة تستدعي الاهتمام، مثلها مثل مفارقة القرار البريطاني بالخروج من الاتحاد؟ 

اللاعبان الأساسيان في الحرب العالمية الثانية، والشريكان التاريخيان اللذان أنقذا أوروبا والعالم من تهديد النازية والفاشية ينقلبان على عقبيهما، تاركين أوروبا لمصيرها، في وقت تشتد فيه شوكة الحركات الشعبوية، ويتجرأ اليمين المتطرف على الظهور إلى السطح، ويشهر الإرهاب بكافة أشكاله ومسمياته أنيابه.

العديد من الصحف البريطانية الرئيسة خصصت افتتاحياتها للترحيب بتلك الذكرى، والتذكير بأهمية ما تم تحقيقه من خلال التعاون العسكري في تلك الحرب، بين أمريكا وحلفائها، في تقويض البناءات النازية والفاشية والتخلص من سمومها، لكنها، وهذا الأهم، لم تتوان عن انتقاد الرئيس الأمريكي على تصريحاته التي أدلى بها قبل وصوله التراب الأوروبي والمتعلقة بتدخله في الشأن السياسي الداخلي البريطاني، ودعمه اللامحدود لسياسي يميني هو نايجل فاراج، مؤسس ورئيس حزب البريكست، وأيضاً تدخله في انتخابات الزعامة في حزب المحافظين بدعمه لأحد المترشحين – بوريس جونسون – علناً. بل إن بعض الصحف( الأوبزرفر) قالت صراحة بأنه ضيف غير مرغوب فيه، خاصة بعد تعرضه بالهجوم على عمدة لندن صديق خان.

كان الرئيس ترمب ضيفا رسميا على جلالة الملكة اليزبيث الثانية، ورافقه خلال وجوده في لندن ابنها ولي العهد الأمير تشارلز أمير ويلز وزوجته، لكن ما يلفت الانتباه هو أن الرئيس ترامب فاته أن يكون متيقظاً، في تغريداته اليومية، بتجنّب الوقوع في أخطاء لغوية. وعلى سبيل المثال، فقد أطلق تغريدة بأسماء من التقاهم من نساء ورجال السياسة، ومن ضمنهم الأمير تشارلز، أمير ويلز، حيث تهجأ لقبه الرسمي خطأ، وبدلا من أن يكتب أمير ويلز (Prince Of Wales) كتبه أمير الحيتان(Prince Of Whales).