Atwasat

رجل من الجيل الذى...

سالم الكبتي الخميس 30 مايو 2019, 02:10 مساء
سالم الكبتي

المدينة. بنغازي وأطرافها. بعد الحرب تنهض. تضمد جراحها. تكحل عينيها. وعليها ثانية تشرق الشمس. تدب الحياة في ثناياها القريبة والبعيدة. تجتاز المعاناة بكثير من الصبر والعمل. يجدد الأبناء البناء. يتولون رتق ما انفتق. تصير ورشة حافلة بالحركة وترفض اليأس والإحباط.

والرواد من الرجال يتحملون مسؤولية عظيمة أخرى. يدركون أن التعليم رسالة ينبغى القيام بها. يفتحون ثغرة في الظلام. مصطفى بن عامر ومحمود مبارك الشريف ومحمد العالم حويو وغيرهم. وتنطلق في المدينة مدارس العمال الليليه. تحتوي في حنان رغم قلة الإمكانيات الكثير من أبنائها كبارا وصغارا. تنتشلهم من الفراغ والظروف الصعبة. تجربة تطوعية. مبادرة وطنية في العمل الخيري تتالت ولم تتوقف مع باقي المبادرات. المبادرة الأولى تبدأ لتستمر. كعادة المدينة. كدأب أهل المدينة الخيرين على الدوام. بنغازي تنهض برسالة المعرفة والعلم. بالحرف والكلمة. تشق دروبا نحو النور وترمي بالظلام إلى الخلف. الظلام يعني الموت. والنور هو الحياة.

والشباب هناك في تلك المدارس ينشطون رغم ظلمة الليالى. ثمة قمر يتوهج عبر النوافذ والجدران يتحدى الظلام. يلتقي سالم قنيبر وأحمد القلال وسعيد الشاعري ومحمد الجهاني ونوري ارحومة.. وغيرهم الكثير من أبناء المدينة. وتستمر الحياة وأغلبهم يشكل جيل المعرفة والحفر بالأظافر وسط الصخور ويمضي بلا توقف ليبنىي الوطن. تتعدد المسؤوليات والعطاء ويظل هذا الجيل سمة مميزة في جبين المدينة وفي ليبيا على وجه العموم.

سالم قنيبر واحد من هؤلاء. التجربة والعطاء والإخلاص. العمل ومواصلة الدراسة. المكتبة المتجولة التي يديرها مع زملائه وتجوب القرى والمناطق لنقل المعرفة والفكر. معهد المعلمين الذي يتولى أعمال المسجل به. ينسق الأمور ويهتم بالطلبة القادمين من أماكن مختلفة. المعهد والنشاط والأساتذة من مصر وفلسطين والأردن. التنوع والاختلاف. والمدارس الفكرية والاتجاهات. رحلة الطموح والحلم. ثم في كلية الآداب يصير مسجلا لها. وطالبا في اللحظة ذاتها يواصل الحفر بالأظافر ولايتوقف مثل أبناء جيله المنتشرين في ليبيا. في قسم اللغة العربية يبدو مع زملائه الطلبة. ثلاثة هم صادق النيهوم وخالد زغبية وهاشم الشريف. الأربعة كانوا على وزن فاعل كما يحب اْن يصفهم أستاذهم العملاق ناصر الدين الأسد. وفي الجامعة محمد حمي وعبدالجواد الفريطيس ومحمد السعداوية. رواد من الرجال الذين لهم الدور الإيجابى والمهم في الاهتمام والحدب والرعاية له ولزميله ورفيقه رشاد الهوني مسجل كلية الاقتصاد. علاقة فكرية وإنسانية تستمر بين رشاد وسالم فى شركة إسو في البريقة مع تدفق البترول من ليبيا إلى العالم وتغير الحياة الاجتماعية ومعالمها كل يوم مع هذا التدفق.

ثم في (الحقيقة) الصحيفة المدرسة وفى أمور عديدة. كاتبان يغمران بحبرهما وأفكارهما السطور لتمضي إلى عيون القراء. جيل يتميز وسط المدينة والوطن وتتعدد مواهبه. في الكتابة والإدارة والعمل والحماس. يحمل في صدره محاولات التمرد وإرادة التغيير نحو الأفضل بالثقافة والمعرفة والنقاش والحوار. كانت القراءات والثقافات والاتجاهات والمدارس الفكرية مطروحة في كل مكان.. في الجامعة والنوادي والمقاهي والمكتبات دون تعصب أو مغالاة أو تطرف. لم تكن الثقافة مشكلة أو طاقة سلبية نحو الشر. كانت إيجابية باتجاه الخير على الدوام. الثقافة كانت أداة للتفاعل الاجتماعي والتغيير والتنوير.

في وجه آخر مهم للعطاء الفكري والأدبي يهتم سالم قنيبر قبل الكثيرين من الباحثين عندنا بالاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي سادت المنطقة. أستاذه محمد محمد حسين. العالم المهيب. يشرف على أطروحته العلمية في جامعة الاسكندرية وينالها بامتياز. كانت عن تلك الاتجاهات وأدوارها ومراحلها. كشف عن الكثير منها. ونفض الغبار القديم عن كثير من مجلدات الصحف والوثائق النادرة في القلعة ودور الكتب. درس مرحلة الشيخ عبدالعزيز جاويش الليبى الأصل المولود فى الاسكندرية عام 1872 وابن التاجر البنغازي الحاج خليل حسن جاويش. الصحافة والأحزاب. والحركات الوطنية واللواء. حتى وفاته عام 1929. ثم يتجه باحثا نحو الاتجاهات في بلاد الشام وما اعتراها من التباسات وظنون ومواقف. التبشير. الجامعة الأمريكية. الحركات القومية. وبقية الأدوار. مرحلة تظل تحتاج باستمرار إلى التقليب والنظر في كافة وجوهها وصفحاتها. كانت بدايات مؤثرة لمراحل أخرى اعترت المنطقة العربية وغيرت معالمها في كثير من الأمور. لم تكن مرحلة عادية ومايزال الكثيرون يغفلون عنها مثل القطيع الشارد في البعيد. كل ذلك نقب عليه سالم قنيبر وبحث عنه فى صبر وتجرد علمي وقدمه في موضوعاته العلمية عن جدارة.

تجربة سالم عبدالنبي قنيبر وجيله تجربة جيل ليبي نهض من المرارة والمعاناة وتعب الأيام، لكنه لم يتوقف عن الحلم والتفاؤل والنظر إلى الشمس والنور. جيل رمى الظلام خلفه. جيل تجربته كبيرة بحجم الوطن.. بحجم الرسالة. تجربة لديها ماتقول وعندها ماتقدم وتنجز وقد حققت ذلك دون انتظار لجوائز أو شهادات تقدير أو تصفيق أو هتاف.
جيل اشتغل بعيدا عن الصورة، لكنه ظل دائما هو الأصل!