Atwasat

14 رمضان

سالم الكبتي الخميس 23 مايو 2019, 12:20 مساء
سالم الكبتي

أحب الليبيون العراق من سنوات بعيدة. ارتبطوا بدجلة وبغداد منارة المجد التليد. الشط والنخل. الإيوان والحضارة وهارون الرشيد. الحنين والشعر.. الرصافي والزهاوي. السياب والبياتي. أغانى ناظم الغزالي والمقامات العراقية. المسقوف عند ضفة النهر والباقلاء. الشجاعة والكبرياء في مواقع كثيرة. عرف أغلبهم العراق في كل عهوده. عاشوا أجواء المجد القديم. ومنذ أعوام وصل جعفر العسكري ونوري السعيد إلى امساعد. ضابطان عراقيان كبيران شاركا فى العمليات الحربية فى الجبهة الشرقية من ليبيا ضد الإنجليز مع أحمد الشريف.

بعد الاستقلال زادت العلاقات متانة وقوة بين المملكتين الليبية والعراقية. بعثات عسكرية توالت في الذهاب إلى بغداد. أولها التحق بالكلية العسكرية عام 1953. تخرجت دفعات من الضباط وكذا مجموعة من ضباط الصف. آخر الدفعات كانت عام 195. أضحت أغلب المصطلحات العسكرية كما هي في الجيش العراقي. صار رؤوساء الأركان في ليبيا عراقيين وكذا ضباط الوحدات والمدارس العسكرية والكلية عراقيون.

ثم انفجر البركان هناك فى 14 تموز، يوليو 1958. كان التغيير عنيفا وقاسيا. سالت الدماء وراحت ضحايا. قتل الملك وخاله والكثير من أفراد الأسرة المالكة بطريقة وحشية. تأخرت ليبيا كثيرا في الاعتراف بالوضع الجديد وأعلنت الحداد فترة من الوقت.

تولى الزعيم عبدالكريم قاسم البكر ورفاقه السلطة. مادت المنطقة ورجت رجا. وارتفع القيظ مع الثورة فى كل لحظة. تداعت أحداث ولم تتوقف. صراع تواصل بين القاهرة وبغداد ولم ينته. حساسية تاريخية منذ الأزل. سكون النيل وهدير دجلة. احتكاك تغذيه صفحات من التاريخ القديم. عواصم الشرق والخلافة والتطلعات. ودماء لم تتوقف في كركوك والموصل. شيوعيون. قوميون. بعثيون. عسكريون. الدم والعنف. وظل دجلة لا يهدأ من الفوران والغضب. واستمر صوت العرب في القاهرة يتحدث عن الأكاذيب التي تكشفها حقائق إضافة إلى صراحة هيكل الأسبوعية عن قاسم العراق. لم تكن القاهرة بعيدة عن محاولة الشواف وغيره. والإعلام ظل يحارب بشراسة عبر كل الجبهات. كانت هناك الجمهورية العربية المتحدة. كان إقليمها الشمالي في دمشق على مرمى حجر من بغداد. الاحتكاك يزداد دون كوابح.

عبدالكريم قاسم كان عسكريا وحكمه كان كذلك. بدأت مشاكله منذ الوصول إلى معسكر الرشيد. واجه خصومه وجعلهم يتناحرون بلا توقف وهو يتفرج ينتظر التمام. أبعد رفيق الأمس.. عبدالسلام عارف وغيره من رفاق السلاح والثورة. وفي المجمل لم يكن قاسم شيوعيا أو قوميا. كان عسكريا صرفا يلتزم بالحرفية العسكرية فى أدق معانيها. استعمل الشيوعيين في العراق بذكاء في السحل والتعليق على الأعمدة. وكان قطار السلام يمتليء بهم ويجوب العراق ويمارس إرهاب وتخويف الآخرين. معركة لم تكن لازمة ولكنها الغرائب والعجائب في السياسة العربية. في دوائر السلطة العربية القابضة هنا وهناك. كان ينوي ضرب الشيوعيين أيضا لكنه لم يوفق. تأخر الموعد كثيرا. لم يكن سريع التواجد في الميدان.

حاول أن يمد أقدامه إلى الجوار باحتلال الكويت في يوليو 1961. الشهر القائظ على الدوام في المنطقة. لكنه لم يفلح. اللعبة الدولية كانت أقوى ولم ترد ذلك. لم تسمح بالمغامرة في ذلك الوقت. أذنت بها بعد ثلاثين عاما قادمات لصدام الذى حاول اغتيال قاسم وهرب إلى القاهرة وسكن في الدقي.

لكن عبدالكريم قاسم خاض أول معارك النفط فى المنطقة بعد مصدق مع الشركات الأجنبية. القانون رقم (80). وبنى البيوت للفقراء الذين أحبوه وظلوا يهتفون له بلا انقطاع: (ماكو زعيم غير عبدالكريم) وكان يقيم في حجرة بوزارة الدفاع في معسكر الرشيد. يتناول طعامه. يستقبل ضيوفه. يعقد الاجتماعات والمؤتمرات. لم يتزوج. عاهد نفسه ألَّا يتزوج حتى تتحرر فلسطين! كان من العسكريين العراقيين الذين شاركوا فى حرب 1948.. وماكو أوامر.

بعض من قابله من المسؤوليين الليبيين أشار لهم بأنه يعرف تاريخها جيدا وكان معجبا بنضال أحمد الشريف وعمر المختار. واشتكى لوزير خارجيتنا ذلك الزمن السيد عبدالقادر العلام من وطأة صوت أحمد سعيد وتعليقاته الهادرة وطلب منه أن يبلغ الملك إدريس بالتدخل رسميا لدى القاهرة لإيقاف الحملة. وبالفعل نجحت ليبيا وسياستها الهادئة في إطفاء النار وتهدئة الصوت بعض الوقت.

ورغم محبة الفقراء والهتاف له صباحا ومساء لم تستقر له الأحوال. جرت محاولة اغتياله من قبل شباب البعث في شارع الرشيد وخرج منها ضعيفا.

يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان 1383 الموافق الثامن من فبراير 1963. كانت معركة اليوم الواحد في بغداد. كان عبدالكريم على موعد معها منذ الصباح. نهض مبكرا. حلق ذقنه. لمع حذاءه. ارتدى بزته العسكرية. ثم بدأ الطيران في القصف الشديد على مقره في الرشيد وهجمت الدبابات وواصل المقاومة. فعلها حزب البعث وأطرافه المتمددة في الجيش. حوكم سريعا في نقاش مقتضب مع رفاق الأمس. نفذ فيه الإعدام ظهيرة يوم السبت على الهواء في استوديو التلفزيون مع بعض رفاقه ومنهم ابن خالته فاضل المهداوي رئيس المحكمة الشهيرة وآخرين. شاهد العالم ما حدث بتقزز ومرارة بمن فيهم عبدالناصر نفسه الذي صمد أمامه عبدالكريم في بسالة يحسبها له محبوه. كانت عملية الإعدام بشعة تمتليء شماتة وحقدا. نقلت جثته إلى منطقة معامل الآجر خارج بغداد على الطريق المؤدية إلى بعقوبه وحين اكتشفت استخرجت ووضعت فى غرارة أثقلت بكتل من الحديد والصلب وألقيت في نهر دجلة على طريقة المجرمين في الأفلام المفعمة بالرعب. وعلى الطريقة العربية أيضا التي تجيد تصفية الخصوم في اللحظات الأخيرة والفاصلة. صورة تتكرر في الواقع العربي. ينقلب الحب والإعجاب والتصفيق إلى كراهية وعداء ومحو من سطور التاريخ البائس في المنطقة وماحولها.

نجح عبدالكريم قاسم الرجل العسكري المنضبط إلى آخر دقيقة في البقاء طيلة أربع سنوات وستة أشهر وأربعة وعشرين يوما. كان حاصل مجموعها فى خاتمة المطاف (1666) يوما. أحبه الفقراء في العراق ولم يكن ذلك كافيا عند الآخرين. غادرهم في عنف وتركهم مثل اليتامى يعتريهم الحنين إليه حتى اليوم. صراع الأخوة الذي يتجدد في المنطقة ولا ينتهي. وفي نهر دجلة تسكن الأسرار والأساطير منذ القدم ويظل في عنفوان أزلي لايستقر ولايهدأ!!.