Atwasat

«قناة الجماهيرية» وأنا.. بين متلازمتَي ستوكهولم وليما

أحلام المهدي السبت 18 مايو 2019, 12:38 مساء
أحلام المهدي

أعترف اليوم وأنا في كامل قواي العقلية أنني متعاطفة تماما مع قناة الجماهيرية، القناة التي لم تراعِ طفولتنا بعد أن شوهتها ساعات الانتظار الطويلة لجرعة واحدة يومية من الرسوم المتحركة، تبدأ عند السادسة مساءً من صوت التشويش وانعدام الصورة إلى النشيد الطويل مروراً بآيات قد تطول وقد تقصر من القرآن حتى نصل منهكين إلى نصيب طفولتنا البائسة من ساعات البث القصيرة، حتى إن قلعة الرمل التي نراكم عليها الحفنات منذ الرابعة عصراً قد تنهار في أية لحظة، لأن هذا رهن بزيارة مفاجئة للعقيد أو جلسة طارئة أو عادية لمؤتمر شعبي أساسي.

هذا ظلم صارخ مارسته هذه القناة اليتيمة وقتها، لكنني أقف اليوم متعاطفة مع من سببت لي هذا الأذى، قد أفسر هذا بمتلازمة ستوكهولم التي أعرف فيها أنني ضحية وأتعاطف مع خاطف وقتي وطفولتي وساعات المتعة التي كان يجب أن أحظى بها عندما كانت الشمس شعارها هي كل ما يظهر لي على شاشة التلفزيون، قد نحقق أيضاً هذه القناة وأنا شروط متلازمة ليما، فلها أن تتعاطف معي وأنا أمسك الريموت كنترول ولا أجد شيئاً يشد سمعي وبصري على شاشة اختصرت العالم في قنواتها وبرامجها ورغم هذا ضاقت عن احتوائي.

نعم لها أن تتعاطف معي وأنا أفتقد رداءة برنامج مثل «اللمة» تلك الرداءة اللذيذة التي استسغتها يوماً لأنها كانت «المُتاح» الذي جمعنا، تتعاطف معي وأتعاطف معها وأنا تائهة بين عشرات المسلسلات العربية التي طغى فيها الكم على النوع، وتحول سحر الدراما فيها إلى أنواع أخرى من السحر لا سبيل للإبداع فيها إذا ما استثنينا بضعة أسماء لن تصنع شيئاً في هذا البحر الهائج، أو بضعة أعمال ضاعت في زحمة العرض.

تتعاطف معي وأتعاطف معها تحضنني ونبكي معاً وقد اكتفيت بالبخور الذي كنا نضعه بالتزامن مع وقت «النّجع» بموسيقاه المنبعثة من كل شبر في البلاد وموضوعاته المحاكة من تفاصيلنا الصغيرة، بعد أن تحوّل هذا البراح إلى عزاء حقيقي لا نسمع فيه إلا العويل والنواح على الماضي الذي لن يعود.

أتعاطف معها وتتعاطف معي ونحن نرى الفراغ الذي تركه «صاحب العقل» صاحب الجرد الوحيد الذي تفتقده ليالي رمضان، ونتحسس كلمات «البسباسي» في الحكايات الغريبة التي لم يكن يربطنا بها إلا شارة البداية الواصلة إلى أسماعنا بالتزامن مع وصول حبات التمر الأولى إلى أفواهنا.

أتعاطف معها لأنها ضاعت هي الأخرى، لقد اختفت تماماً من هذا العالم، فقدت أسباب وجودها وحياتها ولم تعد ملكا لنا، ذهبت بصوت أذان المغرب الذي لا يشبه أي أذان آخر، وبتراويحها التي كانت تجمع الوطن في مسجد واحد، وبمدفع الإفطار الذي غاب لأنه تشظى إلى عشرات المدافع التي كفرت بالغروب ولم يعد يعني لها صومنا عن الطعام شيئاً.

اختفت وتركت مكانها لنسخة مشوهة منها، نسخة لم نعد نتحلق حولها لتنقذنا من هذا الضياع الذي لم أعرف له سبباً رغم كثرة الخيارات وتنوعها، تركت هذه القناة فراغا كبيرا يشبه ذاك الذي يتركه ضحايا الحرب عندما يرحلون فتسميهم أمهاتهم «شهداء» ويسميهم من قتلهم «موتى» أما نحن فنعرف تماماً أننا خسرناهم إلى الأبد وتلك هي الحقيقة.