Atwasat

دولة على المقاس

آمنة القلفاط 6 أيام
آمنة القلفاط

لأي محلل ومراقب تبدو القضية الليبية، بسيطة وقابلة للحل. ليبيا دولة غنية الموارد، جميلة المناخ، متعددة الثقافات، اجتمعت على أرضها حضارات زاوجت بين امم مختلفة، انصهرت واستقرت على أرضها ليجمع بين أبنائها نسيج متماسك على رقعة أرضها الشاسعة. للوهلة الأولى يبدو المسؤول عما آل إليه وضع البلاد وعرقل قيام الدولة معروفا، واضحا وجليا... من المسؤول عن هذه ومن المسبب في تلك...؟ إصبع الاتهام تشير بوضوح للمعرقل لمصالح الناس والمستنزف لموارد البلاد في هذه الحرب المضحكة.

الدهشة مستمرة والعجب كل العجب من هذا الإصرار العجيب على تحويل قضية بسيطة يمكن معالجتها بالوقت والحكمة، وإذ بنا نراها تزداد تشابكاً وتعقيداً وصعوبة. نحن نُدفع دفعاً، بلا دواعٍ منطقية، لإعلان عجزنا وفشلنا الصريح في إقامة دولة بسيطة، بكل إمكانياتنا الهائلة. نحن نُدفع دفعاً، بالطريقة العجيبة ذاتها، لطلب المساعدة الدولية لوقف المردة من أبنائنا. نحن في طريقنا لطلب التدخل، الذي بات البعض يراه ضرورة، لحل المشاكل التي راكمها المتشبثون بالسلطة والسارقون لمقدرات الناس.

عندما تحدث غسان سلامة أمام العالم على قناة الجزيرة، أوضح أن من يمسك بزمام الأمور في ليبيا لديهم مستوى عال من الفساد، وأن الأمثلة على سرقة الأموال العامة يندى لها الجبين. لقد كان خطابه واضحاً من حيث كون البلاد مخطوفة من قبل مجموعات تتمسك بالكراسي، معرقلة لقيام الدولة، متناسية المواطنين البؤساء، وفق قوله، في بلاد تعثر حظها وسط الفشل في إقامة نظام يرتكز على العدل.

الملتقى الوطني الذي دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة، ووافقت الأطراف الليبية المسببة في تأزم أوضاع البلاد عليه، رأى فيه الليبيون الحل السلمي الذي يضمن خروج البلاد من وضعها الحالي تجنباً للصراعات المسلحة، المؤتمر أو الملتقى كان سيعقد في منتصف شهر أبريل الماضي، لم تأتِ فكرته بين يوم وليلة، ولم تفرض فرضاً ليتبناها الليبيون، لقد جاء بعد لقاءات ومشاورات معلنة وواضحة.

لقد تغير المشهد برمته قبل لقاء غدامس بأيام، ليتراجع سنوات لما قبل اتفاق الصخيرات، وليستبعد قيام الدولة البسيطة التي ننشُد، وليُعقد المشهد الليبي البسيط ويدخله في دوامة الصراعات الدولية، بين أطماع دول جعل لها المتشبثون بالكراسي طريقاً إلينا. من جديد يعود صوت المدافع ليقضي على الخيار السلمي المتفق عليه في لقاءات باريس وباليرمو وابوظبي، وتُعلن الحرب. ولا يزال أبناء ليبيا البسطاء المغلوبون على أمرهم يحاولون فهم كيف تحولت يوما بعد يوم القضية البسيطة إلى قضية شائكة يصعب حلها رغم وضوحها.

المواطن الليبي البسيط الذي يعيش وسط الصراعات المسلحة في كل مكان تقريبا، لا يكاد يتحصل على أساسياته الضرورية للحياة اليومية، فيما يدفع من ثروته ثمن ما يدخل البلاد من شحنات الأسلحة لمزيد من الخراب والدمار.

الوقائع والحقائق واضحة ومعلومة للجميع، ومن يستمر في الضغط على الزناد وتهديد الآمنين وهدم بيوتهم، هو من شارك في اللقاءات ووافق على التوصيات لتبني الخيار السلمي.

شتان ما بين الساعي لقيام دولة تسع الجميع، دولة تحفظ الحقوق، دولة لأهلها، تنبذ العنف وتنادي بالإصلاح، وبين من يؤجج العنف ويدفع دفعا لتبني الخيار الدموي. الأول هدفه دولة للجميع، والثاني هدفه، دولة على مقاسه، وإن كانت على أنقاض شعبه. الدولة المدنية لا تنحاز لطرف على حساب آخر وليست على مقاس أحد. هي فقط تبنى على الحياد وعدم الانحياز إلا للقانون، إلا إذا أنهينا فصل دولة شمولية لندخل أخرى. دعونا نعود للخيار السلمي، ونتشبث به، لنختار من يدير البلاد ولا يسيطر عليها، كما في أذهان من يتصدرون المشهد الحالي في الغالب.