Atwasat

التلاعب بـ «الدولة المدنية»

عمر أبو القاسم الككلي 6 أيام
عمر أبو القاسم الككلي

يجري مصطلح "الدولة المدنية" على الألسن باعتباره مصطلحا عصريا جذابا، وفي كثير من الحالات دون أن يحدد مستخدمه المعنى الذي المقصود منه. وعدم التحديد هذا يكون عن سهو أحيانا، وعن خبث أحيانا أخرى.

ففي الحالة الأخيرة تستخدمه تيارات الإسلام السياسي التي ارتأت انتهاج "حيلة" القبول بالوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات (وليس عن طريق الديموقراطية) بدل مغامرة الوصول إليها عن طريق العنف والقتال الذي قد يجر إلى استئصالها، مستهدفة، حال اعتلائها سدة الحكم، التأبد فيه. فهي لا تؤمن بمباديء الديموقراطية من الاعتراف بحق المواطنة (بغض النظر عن الدين واللون والجنس) وحرية المعتقد والتعبير عن الرأي والتداول السلمي للسلطة، بحيث يصلون إليها وفق المباديء والإجراءات الديموقراطية في انتخابات حرة ونزيهة، وينزلون منها وفقا لنفس المعايير.

هذه التيارات تضمر أن المقصود بالدولة المدنية في خطابها هو الدولة غير العسكرية. لذا تتعمد عدم إضافة صفة الديموقراطية إلى هذه الدولة في خطابها.
في الحالة الليبية، تستخدم المليشيات نفس الخطاب. لذا لم يقل عاقل يفكر تفكيرا موضوعيا أن هذه المليشيات ستبني دولة مدنية ديموقراطية. وجود المليشيات، إن لم يقد إلى الفوضى العارمة التي تجر الخراب، فإنه يؤدي، في أمثل الأحوال، إلى سلام واستقرار أمني هش قابل للانتكاس في أية لحظة. تماما مثل الجرح الذي جف لكنه لم يبرأ تماما، فينفتح من جديد وينزف عند أول احتكاك بجسم خشن.

المليشيات لا تبني دولة مدنية ديموقراطية، بما في ذلك حركات المقاومة أو التحرير ضد الاستعمار، أو الحركات الثورية التي تنتهج الكفاح المسلح ضد الأنظمة القمعية والاستبدادية المحلية.

من الناحية الأخرى، من المغالطة القول أن الجيش (حتى إن كانت تنطبق عليه معايير المؤسسة العسكرية المعروفة) يمكنه أن يبني دولة مدنية ديموقراطية. فما بالك إن كان هذا الجيش "مؤسسة سائلة"!. لم يحدث أن استولى الجيش على السلطة في مكان ما وأقام دولة مدنية، سواء في إسبانيا والبرتغال واليونان أو في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. إذا وصل الجيش إلى السلطة فلن يتركها إلا بقوة قاهرة. ومثال عبد الرحمن سوار الذهب في السودان (الذي استلم السلطة في أبريل 1985 أثر انتفاضة شعبية وسلمها سنة 1986) استثناء يؤكد صحة القاعدة.