Atwasat

«الحوت علينا»

محمد عقيلة العمامي الإثنين 06 مايو 2019, 12:18 مساء
محمد عقيلة العمامي

قال أنبيوه: «صائد الحيتان الشاطر هو الذي يصيب الحوت في مقتل، وهو الجزء الذي يبعد خلف الزعنفة بأقل من ثلاثة أمتار، إن أصاب هذه النقطة، من نحو 25 مترًا، فإن هذا الحوت الضخم يرتفع فوق سطح الماء ويهوي بفرقعة عالية،  ولا يطول ضرب الحوت بزعنفتيه الماء حتى ينقلب على ظهره ويطفو جثة هامدة، أما إن أصابه الحربون في غير هذا المقتل، فإنه يعوم به وبالبرميل الملون أيامًا، إلى أن يجده مركب، ويسلمه للسفينة صاحبة اللون. فهذا اتفاق بين سفن صيد الحيتان..».

الرايس عبد النبي الترهوني، الذي كان يعرف في ميناء بنغازي في خمسينات وستينات القرن الماضي باسم «أنبيوه جيوه» تربطني به قرابة عائلية؛ كنا نراه عندما كنا أطفالًا كنجم سينمائي، بجسم رياضي، وسيم بشعر أسود ناعم وكأنه ملاكم باكستاني. وكان سباحًا ماهرًا جمع كؤوسًا من مسابقات المسافات الطويلة.

كنت قد حضرت ليلتين من ليالي مأتمه! فلقد شاع خبر، في أواخر خمسينات القرن الماضي، أن المركب الذي كان بحاراته غاطسين يبحثون عن حديد مخلفات الحرب العالمية بشواطئ بنغازي قد غرقت ببحارتها كلهم، ولكننا شاهدنا رجلًا يشبه «أنبيوه» قادم من أول الشارع فانطلقنا نحوه ولما تأكدنا منه، عدنا نصيح ونتقافز كجديان جدلًا: «أنبيوه حي .. أنبيوه حي ». وانقلبت ثاني ليلة مأتمه فرحًا.

والتحق «أنبيوه» فيما بعد بحارًا بواحدة من السفن التجارية، وغادر بنغازي لسنوات. وبعد عودته سمعت منه أنه عندما وصلت المركب ميناء أوسلو التحق بسفينة لصيد الحيان.
لم أعرف عن صيد الحيتان وأهميتها الاقتصادية شيئًا، ظلت معرفتي عنها ما وصفته في قصة قصيرة نشرتها في موجعتي القصصية «قلوب الأخطبوط» التي نشرت سنة 2001 عن تاريخ صيد الحيتان، كان الصيادون في القرن الثامن عشر، يسحبونها من بعد إصابتها بالحراب إلى المياه الضحلة بمساعدة المد المتصاعد؛ وعندما ينحسر الماء، يستخلصون الدهن من لحمها ويغلونه فيتحصلون على زيت للمصابيح وزيت للطهي. ولكن تطور الاستفادة منها، فلحمها صارت له سوق رائجة، وكبده الذي يبلغ وزنه طنًّا زاخرًا بالفيتامينات، والأمعاء والبواقي سمادًا للأرض، أما العنبر فللعطور، والجلود لصناعة الادوية الجلدية. وبسبب تلك الفوائد زاد الطلب على صيد الحيتان وارتفعت أسعارها، وأخذت في التناقص مما حدا بالدول تقنين صيدها وتحديد حصص لكل دولة تقع بحارها على بيئة الحيتان.

في ميناء مدينة «ساندفيورد» يتجمع الأطفال والنساء بثيابهم الزاهية ومناديلهم الحمراء، أمام منازل الميناء البيضاء المصطفة خلف رصيف الميناء لاستقبال أبطالهم خلال شهر مايو الذين أبحروا في شهر سبتمبر من العام المنصرم مع تلك السفن، التي هي في الواقع مصانع عائمة لمنتجات الحوت. «ساندفيورد» تعد مركزًا لصيد الحيتان في العالم لا يتعدى سكانها ثلاثين ألفًا، ولكنها تتمتع برفاهية واضحة.

لم يعد صيد الحيتان مثلما أخبرني «أنبيوه» فمدافع الحربون أصبحت عالية الدقة، وتقنيات تتبعها جعلت الحيتان في مرمى سهام الصيادين. ولم يعد صياد هذه اللبوانات التي تعد أضخم المخلوقات الحية فوق الأرض مهنة غير آمنة، إذ لم يتحطم مصانع أو تغرق سفن، إذ لم تسجل حادثة واحدة طوال العشرة أعوام الماضية.

فما أن تعلن، في شهر مارس، الحصص الدولية لصيد الحيتان قد نفدت، حتى تكف سفن المصانع العائمة عن الصيد وتعود أدراجها. قد تتوقف السفن في رحلة عودته على ميناء تجاري للراحة، وشراء الهدايا. إن المصنع العائم الواحد يكلف تمويله نحو ست ملايين دولار، وينتج نحو مئة ألف برميل من زيت الحوت الذي يتحول 95% منه إلى دهن المرجرين، الذين نشتريه من أسواقنا، من دون أن نعرف أن البرميل من زيت الخام يسوق بخمسين دولارًا!

أساطيل النرويج وبريطانيا واليابان وجنوب أفريقيا وبناما وروسيا تجوب قبعة العالم الشمالية في مواسم الصيد يرافق كل سفينة مندوب من المركز الدولي حتى لا تتجاوز أية دولة الحصة المخصصة لها.
نحن لا نعرف عن الحوت سوى اسمه، ومع ذلك نطلقه عن السمك، في حين أنه حيوان ثدي لا علاقة له بالأسماك! أما لماذا كتبت لكم اليوم عن «الحوت»؟ لأن محللاً اقتصاديًّا وسياسيًّا نصحني ساخرًا بأن أعود للسمك والصيد والزفرة بدلًا عن مداخلاتي الإخبارية وابدأ وجهة نظري؟!

مسكين إنه لا يعرف شيئًا عما يجري في العالم وأن «عصيدته» الصباحية يوم العيد الكبير تبتدئ زبدتها من فوق سفينة «مزفرة» وأن الدول الصناعية الكبيرة تتصارع على بحار ليست ملكًا لأحد من أجل «الزبدة» فما بالك على وطن أصبح مشاعًا لكل المغامرين في العالم، ولكل المعلقين السياسيين الذين يخجلون من أخبارنا عن انتماءاتهم السياسية والعقائدية!