Atwasat

فسيفساء الكتابة الأنثوية

أحمد الفيتوري الثلاثاء 30 أبريل 2019, 01:53 مساء
أحمد الفيتوري

1-

(تصحو لترتب ما حولها بآلية وشرود، ثم تجلس وحدها داخل غرفتها، وهي تشعر أن بعقلها فراغاً هائلاً. ربما ستحدق في شيء ما بالغرفة في محاولة للتذكر، وهى تشحن همتها بتلك الأشياء التي عليها أن تفعلها، وصدى الماء المنهمر -الآتي من الحمام- يتردد في البيت مثل لحن مُقبض) – هناء عطية

المرء منّا يقرأ ما يماثله على حدّ تعبير هارولد بلوم فهل يكتب ما يُماثله أيضاً؟، طبعاً ليس أنه يكتب سيرة أو ما شابه، لكن كمثل أن يقرأ ما يُماثله يكتب ما يرى وما يُعايش ويتخيل وما يرغب.

(رمادي) الذي هو النص أم خطاب النص أم شخوصه في كل حال هو (رمادي) لون لا لون له، أو أنه بين بين، ما ليس بالأبيض ما ليس بالأسود. (رمادي) نص نسوي فالراوي العليم امرأة وجُل الشخصيات الرئيسة كذلك، والشخصية الرئيسة الراوية التي تعاني من خلل ما في النظر هذه الشخصية تُعنى بأمها المريضة التي تعاني السرطان، أضف أن هناك مفتاحاً روائياً غامضاً يُدعى (نادي القضيب البلاستيكي) هو السر المدفون للرواية وعند الشخصية الروائية الساردة، هذه الشخصية تعاني من علاقات معطوبة مع الرجال لكنها تفتك نفسها من هذا العطب من خلال شخصية رجل مشكوك في مثليته.

النصُ  نمنمةٌ وتفاصيلٌ ونقشٌ وتطريزٌ لشخصيات نسائية، ما لاحظتهُ منذ عقود فرجينيا وولف أنّ علاقاتِ النّساء في عالم الأدب يَسودها الاضطّرابُ وتُداخلها الكراهيّة، الّتي قد تكون نابعةً من عُزلة النّساء أو المُنافسة فيما بينهنّ. وأما الرجال في النص (رمادي) فعلى الهامش وتحت نظرة نسويه ناقدة ومتبرمة، ونُذكِر أن الشخصية الرئيسة الراوية كاتبة.

عنايةٌ صارمةٌ بالتفاصيل وتوصيفٌ مُدقق للمكان وحواشيه، نسجٌ للسرد من عوالمَ هشة ومتداعية وآيلة للسقوط فالأحداث مُفككة ولا سياق لها ولكن التداعي هو السياق، وفي هذا التداعي شُغل على الصدى والزوايا المُظلمة والظلال، حتى إن اللغة تقريريةٌ وصارمةٌ دون اعتناء، والتداعي كأسلوب من لزوم ما يلزم فما يرصدهُ النصُ تفاصيلُ متراكمةٌ كالبصلة قشورٌ ولا لب.

وكأنما النص يتكتم بالبوح المغلوط الذي لا تقصده الروح الأنثوية التي حالُها (رمادي)، لكن النص مُحاك بالهوية الأنثوية نأمة فنأمة، حيث هذه الهوية في الكتابة التباسيةٌ عند النقاد الذين لا يُعنون بالنص وتفرده لكن الناقدة ماري إيجلتون التي تتشيع للكتابة النوعية تُميز هذا النص (الذي يُعبر عن تجربة المرأة الخاصّة وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط الّتي صوّرت بها المرأة طويلاً، والّتي تُنافي إلى حدّ بعيد الحقيقة والواقع).

النص (رمادي) صارخ في توكيد خصوصيته من حيث جماليات الدلالة، ومن حيث الخطاب النسوي فيُعنى بالخصائص النّسويّة دون شعارات صارخة ولكن ينسج هذه الخصوصية في ثنايا النص، خاصة عند رصدِ تداعي الجسد الأنثوي بالمرض ما هو الملمحُ الرئيسُ في النص وفي بنيتهِ حتى الموت.

الجسد مُحاط بالإحباط وبفشل التحقق، فالشخصية الرئيسة التي تُعايش عطبَ العلاقة مع الزوج حينما ترصدُ ثورة يناير تجيءُ في النص كبانوراما فحسب، تُكثفُ العجزَ وتوكدُ العزلة التي خيمتُها الإحباط، فالموتُ ما يخيم على (رمادي) كالحدث المركز الذي ينسجُ السرد، وتُحاك تفاصيلهُ بالذات عند رصد الميتِ المُجانب لسريرِ الأم وجثمانه يستحوذ على الابنة حتى أن تفاصيله تسرق انتباهها وتُلهيها عن الأم ومرضها، ما يجعل الجثمان رمزاً أو أيقونة الحياة للجسد الأنثوي المتداعي.

ومن هذا فإن الكاتبة تهتمّ اهتماماً كبيراً بطبيعةِ التّجربة الأنثوية داخل النّصّ.


2-
لا يمكن قبول كلّ رواية واعتبارها نسويّة لإظهارها المرأة ضحيّة عاجزة، كما تقول إريكا يونغ، لكن رغم ذلك فإن العناية التي توليها الكاتبة (هناء عطية) في هذا النص للمرأة الضحية مركزي، والمسرودُ يُفكك العلاقة الشائكة التي تعيشُها نساء (رمادي) مع الجنس الأخر، بل ومع المكان الذي يُحاصر الشخصية الرئيسة الباحثة عن مكان خاص تنفرد فيه عن القطيع الذي يحاصرها، والموت الذي يشكل فسيفساء حياتها. وهذا الحال شغل الكاتبة يندس كخطاب في ثنايا النص يجعل السرد ينفلت، ويجعل سياقه سياق قصة طويلة ترصدُ حال الشخصية الرئيسة وسيكولوجيا هذه الشخصية أما علائقها فهي انعكاس لهذه السيكولوجية.

إن الخطاب النسوي مبثوث في النص فالشخصية الرئيسة امرأة ضحية كما الشخصيات النسائية الأُخر، لكن الضحية ليست كمفهوم تقليدي، فالمرأة قوية الشخصية وفاعلة لكنها مصابة بعطب، ولنبين ذلك فإن العلاقة بين الشخصية الرئيسة وزوجها مرصودة بخلل العلاقة الجسدية بينهما، فالزوج لاهٍ عنها بعائلته وعلى الخصوص بجسد أمه القائم على نظافته وتحميمه، وكأنما الذكورية مرصودة بالمرأة الأم، أو كما يوضح النقد النسوي بأن هذا يضفي في الخطاب الذكوري طابعاً أسطوريّاً على النّساء باستخدام استعارات مثاليّة مثل «الأرض الأمّ» و«اللّغة الأمّ»، بينما النّساء مهمّشات من حياة الأمّة الفعليّة.

النص/ القصة الطويلة قماشته نفسية الشخصية الرئيسة والأحداث كما خلفية (صوت الحشود التي تراها في كتل من الضباب كأنه يأتي من حلم بعيد)، ومصاب عينيها يجعل نظرها مضبباً، أما شخصيات النص الأخرى فهي شخصيات مرسومة بخطوط رفيعة وكأنها خيوط عنكبوت تربك الشخصية الرئيسة وتتقاطع ولا تتوصل معها، (تجلس فوق الأرض ملتصقة بفريدة، وتفكر أنها سوف تعيش سنواتها المقبلة وهي تحمل رعبها معها)، هي التي عاشت المُدبرة من سنواتها ذا الرعب لا تتكيف مع أحد، بل إن الكاتبة تُربك القارئ ليعرف العلاقة بين الشخصيات عموما وبينها والشخصية الرئيسة.

ووجودُ أنوثةٍ جوهريّة يمكنُ استحضارُها في النّصّ، ومن الممكن تمييز الكتابة الأنثوية فيه من خلال ما أشرنا إليه من عناية فائقة بالتفاصيل والسردية التي تنسج بتؤدة حول الجسد الأنثوي، والقهر الذكوري لذا الجسد يُلقي بظلاله في نسيج النص، ليس من خلال الحكي فحسب بل ومن خلال جماليات الدلالة التي تشير دون أن تفصح والتي تبوح بتكتم ظاهر، كما العلاقة مع الشخصية المتهمة بالمثلية أو الصندوق الذي يخصي الذكورة باحتوائهِ على ما يؤسس لـ(نادي القضيب البلاستيكي) والوله الذكوري غير المُستبان بجسد الأم.

(هناك من يرى أنّ للمرأةِ أساليبَ وطرائقَ خاصّة في صياغةِ المجازات وانتقاءِ الصّور، والبعض يرى أنّ تلك الأساليب الخاصّة نابعة من بيولوجيّة المرأة، خصوصًا أتباع النّقد الأمريكي، فيجعلون للمرأة ميلاً غريزيّاً لصورٍ معيّنة أو أشكالٍ لغويّةٍ محدّدة، وفي المقابل نجد من يطرحُ تفسيراتٍ اجتماعيّة وثقافيّة لخصوصيّةِ استعارات المرأة ومجازاتها، مثل أن نجد صورةَ الطّائرِ تتكرّرُ في رواياتِ المرأة، أو صورةَ العصفورِ في قفص، محاولين الرّبط بين الكتابة الأنثوية وتلك الصّور) أو كما يكتب على نصوح مواسي في مبحثه: النّسويّة في النّقد الأدبيّ.

نص هناء عطية (رمادي) من النصوص النسوية التي تثيرُ مسألة الكتابةِ النسوية في خطابٍ لا يستهدف ذلك، لكن نسيج النص ومسروده يشي بأن النص كاتبته امرأة مشغولة بالمسألة النسوية، كما أن اللغة ومفرداتها والرموز ودلالاتها تفصح عن البيان الأنثوي الذي لا يفصل بين الجنسين في الكتابة لكن يضيف منحاً لخصوصية ما تخص النوع، ليس بالمعني الساذج ما ينمطق الكتابة الأنثوية في مفردات بعينها أو رموز ما، ولكن بما تشحن به الكتابة وما تضيف من حيث إن الخصوصية هي عمل الإبداع الأساس، فلكل كاتبة / كاتب خصوصية، ومن هذا يجيء النص بالكتابة الأنثوية التي لا تجيء به بالضرورة.