Atwasat

«الحروب الفيسبوكية» تشخيص لأمراض كامنة

سالم العوكلي الثلاثاء 23 أبريل 2019, 12:53 مساء
سالم العوكلي

في مقالته «حرب الفيس بوك الليبية العظمى» المنشورة بموقع بوابة الوسط بتاريخ 19 أبريل 2019، يتطرق د. صالح السنوسي إلى الحرب «الباردة» على الفيس بوك التي تؤجج الحرب الساخنة على الأرض، ويعتبرها «أشد ضراوة وخطرا على ليبيا من الحرب التي تجري بالسلاح، إنها حرب الفيس بوك الليبية العظمى التي تجري على كامل الأرض الليبية وعبر قارات العالم وحيثما يوجد ليبيون». 

وتتميز، كما يشير، بحالة قصوى من الاستقطاب أو «الاصطفاف حول هذا الطرف أو ذاك» متمحورة على محورين «أولهما الجهوية والدين وثانيهما الوطنية والجهوية». وهو توصيف حقيقي للحالة الشعبية أو الاجتماعية التي تحيط بهذا الصراع، هذا الصراع المتمحور أساسا رغم كل أنواع شعاراته أو اصطفافاته حول البنك المركزي؛ بيت مال الرعية الليبية حتى الآن.

سبق أن كتبت أن ما يسمى العالم أو الفضاء الافتراضي غدا أكثر تعبيرا عن العالم الواقعي، بينما الواقع المزيف المحتكرة معلوماته وأخباره ووسائل النشر فيه من قبل السلطة الحاكمة كان هو الواقع الافتراضي، ولتقريب الصورة كنا نعيش في جماهيرية القذافي التي تحاول وسائل إعلامه أن تظهر هذا الواقع أنه الجنة على الأرض وأن أطروحته تمثل الخلاص النهائي، وإنجازاته الضخمة تظهر يوميا على الشاشات، وسعادة المواطن الليبي المحظوظ يتم إخراجها يوميا بشكل سينمائي في مقابل معاناة المواطنين في العالم الآخر الذين يعيشون خارج جنة «الجماهيرية»، وفي الحقيقة كنا نعيش في واقع افتراضي ترسمه وسائل إعلام تعبوية لا علاقة له بالقهر الذي يتم فوق الأرض، وحين انفجر عالم شبكة الإنترنت، ومواقع التواصل، ووجد الناس فضاء للتعبير الحر والمجاني، ظهر العالم الحقيقي عبر هذا الفضاء، وأسهم في تقويض منظومة النظام الذي خرجت سلطة الخبر والمعلومة والرقابة على المطبوعات عن تحكمه، وتحول القذافي الذي كان يُقدُم كإله عبر وسائل إعلامه وشعرائه ومنشديه، ظهر رسما كاريكاتوريا مضحكا عبر هذا الفضاء، لذلك حين بدأ الحراك في تونس ظهر على الشاشة وهاجم بضراوة الفيس بوك، وويكيليكس الذي كان ينطق اسمه كلينيكس.

أعود لمقالة صالح السنوسي التي وصف فيها انقسامات ليبيا بالمحاور الفيسبوكية، وفي الواقع الفيس بوك لم يخلق هذه المحاور وهذه الاصطفافات التي كانت دائما حاضرة عبر تاريخ وجغرافيا هذا المكان المسمى ليبيا، وما فعله الفيس بوك كموقع اجتماعي وفضاء للتعبير أن أخرج هذا المكبوت إلى الضوء، وأنطق المسكوت عنه الذي كان يتحدث به الليبيون أو بعضهم غير القليل في المرابيع والمقاهي، في مدرجات كرة القدم، وفي المهرجانات المسرحية، في سهرات العربدة، وفي حصص التاريخ، في أغاني الأعراس، وفي كثير من التراث الشعبي. 

كان هذا الاستقطاب موجودا، والجهوية التي تحضر بقوة حتى في حفل جوائز المهرجانات المسرحية وفي مبارايات كرة القدم، كانت توظف ومنذ قرون لتأجيج الصراعات السياسية والحروب الأهلية، حين تلاعب بها العثمانيون أو القرهمانليون، والطليان، وما ترتب عنها من وصول حملات عسكرية عديدة جاءت من طرابلس إلى الشرق وما نتج عنها من تغيرات ديموغرافية حيث أكثر من 4 ملايين نسمة من قبائل الشرق الليبي طُردت من المنطقة وتعيش الآن داخل الحدود المصرية، وبعد الاستقلال وجد النظام الملكي نفسه في مواجهة هذا الاستقطاب القوي بين غرب السعداوي وشرق الأمير إدريس، ليلجأ إلى شكل دولة فيدرالي قابل للانقسام في أية لحظة، ولم يتوحد الكيان سياسياً إلا عبر ضغط دول شركات النفط العاملة في ليبيا لتسمى المملكة الليبية المتحدة كجغرافيا تدور وتحوم حول البنك المركزي الذي يقبع فيه قوت الليبيين كلهم . قبل ذلك نشأت دولة أولاد امحمد بفزان، وجمهورية طرابلس في الغرب، وإمارة أجدابيا في الشرق، ولو عدنا في التاريخ سنجد الكثير مما يجعل ما يكتب في الفيس بوك هو تعبير عن إرث قديم، وعن مسكوت عنه قد يخفت لكنه يشتعل بمجرد أن تواتيه ظروف الاشتعال ، لدرجة أن الوحدة الليبية تحولت إلى شعار نضالي تبناه القذافي بقوة حين اختار مجلس قيادة الثورة محاصصة بين أقاليم ليبيا، وحين تزوج من قبيلة في الشرق لها نفوذ، وحين وزع بياناته أو الإعلان عن نقاطه أو أطروحاته الجديدة من خلال مدن يختارها في الغرب والشرق والجنوب، وكم عكست ملابسه هذا التجاذب الجهوي.

ومنذ انطلاق ثورة فبراير كان الفزع من استغلال هذا التوتر الجهوي من قبل إعلام النظام يتحكم في كل القرارات الأولى للمجلس الانتقالي وفي الهتافات والأدعية، وحتى عندما يخرج مصطفى عبد الجليل حائرا بين أن يرتدي شنة حمراء أم سوداء، وما حدث أخيرا أن الإسلام السياسي تمترس خلف بعض المدن أو القبائل في الغرب، وأصبحت العاصمة ملاذ كل المنتمين لهذا التيار من المدن التي تتوسع فيها سيطرة الجيش الليبي، وهو الذي يستغل الآن هذه الحساسية ويوظفها دفاعا عن آخر معاقله، رغم أن الجيش والمتعاطفين معه من كل أنحاء ليبيا، وعناصر الميليشيات من جميع أنحاء ليبيا.

والنتيجة أن الانصهار الوطني لم يتحقق أبدا في هذه الجغرافيا، وأن الوحدة السياسية، على مضض، كانت دائما تقوم في ظل قوى قاهرة من الخارج أو الداخل، فليبيا وحّدَها النفط ويفرقها الآن الصراع على مصرفها المركزي، وكل تجارب التاريخ تؤكد أن مثل هذا الانصهار لن يتحقق إلا عبر حق أصيل يجعل الفرد مستقلا بذاته وحقوقه دون حاجة لجهة أو قبيلة أو عرق أو طائفة تحميه، وهذا الحق هو المواطنة المستقلة المتمتعة بحقوقها عبر ضمانات دستورية وقانونية، سواءَ تم في ظل دولة موحدة أو عبر إدارة فيدرالية تتمتع بدستور يضمن حقوق الجميع وحرية التعبير وحرية الاعتقاد، وقدرا كافيا من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وحينها سيكون عضو نقابة المهندسين الزراعيين من غات أو نالوت أقرب لي مصلحيا من أبن عمي أو جاري، وحينها سينتقل مجتمع الفيس بوك إلى الحديث عن شؤون أخرى، مثل كرة القدم أو مشاكل البيئة، أو البورصة، أو مسابقات ملكات الجمال أو تبادل التهاني بأعياد الميلاد والحب. 

وعى رئيس وزراء مثقف، عبدالحميد البكوش، هذا المأزق الاجتماعي، فتحدث وكتب نظريا عن الشخصية الليبية ومفهوم الكيان والانصهار الوطني، ورسم عمليا استراتيجية مستقبلية من أجل توطين هذه القيم في هذه الجغرافيا، عبر إشرافه على آليات تنموية تدعم هذا الانصهار، فكان من ضمن الخطة الخمسية (1969ــ 1974) التي وضعت منطلقاتها وزارة التنمية والتخطيط في فترة البكوش واكتملت مع آخر حكومة في العهد الملكي ، تقسيم ليبيا إلى 14 منطقة اقتصادية موزعة على 10 محافظات يتمتع فيها كل محافظ بسلطة وزير، وكل منطقة لها اختصاص في قطاع يدعم الاقتصاد الليبي، ما سيدعم فكرة إعادة توزيع (المجتمعات الليبية) فوق خارطة اقتصادية جديدة، بدل الجهوية، يحكمها اختصاص الأفراد وطبيعة نشاطهم الاقتصادي، ما كان من المرجح أن يخلق ما نسميه الآن عاطفيا (نسيجا واحدا) يتحقق فعلا عبر انتقال الفرد إلى فضاء يضمه حسب اختصاصه وليس حسب نفوذ قبيلته المتوارث أو جهته أو إثنيته. كانت خطوة مدروسة لتجاوز كل هذه الاصطفافات التي نراها اليوم، ولا تحتاج إلا إلى إصلاحات سياسية توسع المشاركة المجتمعية وتجعل من الانصهار الوطني ضرورة للعيش والتعايش وتكافل المصالح تحت ضمانات دستورية، وليس مجرد شعار عاطفي أو أجندة سياسية يروج الساسة لأنفسهم عبرها. 

كان البكوش يدرك أن المركزية والاعتماد على مصدر وحيد للدخل، وما ينتج عنهما من تهميش واستبداد، تشكلان عقبة أمام الانصهار الوطني، وأدوات متاحة لكل سلطة مستقبلية تستخدمها لتثبيت أركانها. 

لذلك نشكر الفيس بوك لأنه يظهر لنا أمراضنا الكامنة وعلينا أن ندرس أسبابها وطرق علاجها والوقاية منها مستقبلا.