Atwasat

نجيب محفوظ في الأسر!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 23 أبريل 2019, 12:37 مساء
أحمد الفيتوري

1-

كنت بالقاهرة أدير ندوة أدبية بقاعة لحزب التجمع الميت الحي!، وأثناء النقاش طلب أحدهم الإدلاء بدلوه في البئر الغميق لعقل مغيب، ووطيس نقد النقد الذي تحوم حوله وتمسه الندوة دون أن تغور فيه، فقال: لقد جئتكم محتجا بالخروج عن ندوة كنت حاضرها بدأها مديرها بأن أشار في تقديمه إلى أن الندوة تحفل بكاتب معتمد، هذا التكريس والاعتماد جعلاني اُستفز وأخرج عن طوري، وأفر من هكذا تغييب للعقل الناقد. 

بدوري الملاحظة هذه حذفتني عن الجمع، فبدأت أشعر أني مثله أغوص في غمار أن النقد غير المنقود تكريس واعتماد لقول على عواهنه، ولفت نظري أن الرجل عند ذكره لتكريس الكاتب المعتمد جفل وأصابه وجلٌ، فتلعثم عند ذكره لاسم ذا الكاتب بل وأدغمه في جملة القول، أراد إخفاء الاسم ما هو نار على علم، مخافة شبح يطارده وتهمة بغرابة الأطوار تطاله، وعقاب له جهوزية قانون عقوبات ازدراء دين ما.

لكن ما أحسسته حينئذ أن هذا الموصوم بالازدراء ذو قناع ديني يخفي الوجه السياسي المتجلي في الاعتماد والتكريس، ما شُغلُ مُكرسٍ مُبجِل يلبس لبوس نقد، أي أن للمسألة الأدبية وجها سياسيا فالاعتماد مَنحُ سلطة رمزية من سلطة مادية. وحتى إن بدأت كما مقدس فإن المُكرسَ السلطةُ الدنيوية المالكة للقوة القادرة على التكريس، كمثال أن الكاتب/ النبي (جوركي) اعتُمد عندما تم تحويل الماركسية إلى دين الدولة في إمبراطورية الاتحاد السوفييتي وما يدور في فلكها، ما يذكر بالدين النقيض (نهاية التاريخ) ما بعد السقوط الإمبراطوري!. 

2- 

علّ قارئا نبيها فطن إلى أني ألف وأدور ولا أسمي الأشياء بأسمائها، فمسألة (محفوظ) كراس مغلق وممنوع من التداول في إطار النقد، كما متاح حتى الفضاضة للاستهلاك والتكسب في إطار باب (في مديح المحفوظ)!...وذلكم ناتج آلية ثالوث الأب/ الحائز/ النجم:

أولا: أن نجيب محفوظ أب الرواية العربية كما عميد الأدب وأمير الشعراء، اللقب مِنْحَة ونيشان على الصدر ورتبة تستوجب ممن أقلها التبجيل والاحترام، والأبوة على أي حال مفارقة هنا لأنها تذكر بأيقونة الروائي الذي عرف بها وبنقده ونقضه لها، أي ما عرف نخبويا وشعبويا بـ (سي السيد) الشخصية النموذجية في السردية العربية الحداثوية النمطية التي أبدعها الروائي (نجيب محفوظ)!... وأن هكذا أبوةً ذكوريةً حُبسَ فيها الروائي، ما بات نموذجا مصمتا انزاح إبداعه عن الفاعلية الإبداعية بأن وضع على أرفف التاريخ، الأب يتطور إلى الخلف فيمسي الجد وهكذا دواليك...

ثانيا: نجيب محفوظ الروائي العربي موصوم بالحائز على جائزة نوبل، أي وضعيته كمن في جبل الألومب والمثل المكسيكي يقول أن من تغضب الآلهة منه تجعله منها؟، مانحو الجائزة - التي حجبت من قبل لجنتها المانحة عام 2018م للاشتباه في مصداقيتها- والبلاد الحاضنة السويد والقارة الأوربية المكرسة للجائزة من تقاليدها أن تطلق الجائزة الكاتب الحاصل عليها لرحاب أوسع من القراءة والنقد والبحث والدراسة، لكن الجائزة جَعلتْ -في الثقافة العربية- من الروائي نجيب محفوظ الكاتب المعتمد بامتياز نوبل، ما عنى تحصينه والاستحواذ عليه، فاستبعاده من القراءة وعن النقد، وحطه في وضع البحث الأكاديمي المقرر المكرر.

ثالثا: نجيب محفوظ نجم الرواية العربية، وكأي نجم نُصب كأيقونة شخصية فبضاعة للمستهلك، كأن تروج أحلامه وتستبضع جلساته، ويكون شخصه ألمشخصاتي الكوميديان، فيكون اسمه علامة ترويجية ونتاجه سلعة جاهزة للربحية، وذا إجراء مستورد من الطرز الأمريكية الرائجة والاعتيادية لاستغلال رأس المال الرمزي من قبل رأس المال المادي، وعلّ نموذج ذلك الأشهر تشي جيفارا!...

الاستخلاص أن الروائي ممنوع من الصرف النقدي، لأن الروائي المنقود عند السلف صُك كعملة نقدية خالصة من الشوائب فبات المعيار المجنب من باب التعيير، حتى أن صرخة (يوسف إدريس) الغيرية، بأن نجيب لا يستحق الجائزة كما يستحقها هو، صُنفتْ ووضعت في باب (جنون العظمة).

ما ينبه في الصرخة أن جنون يوسف مأتاه استبصار بأن المحيط الثقافي النقدي جامد، وفيه أن (جائزة محفوظ) في الكتاب العربي المحفوظ تُكرسُ فتَستبعدُ، لذا يوسف إدريس النجم في سماء الأدب حينئذ مسه مس من سطوع نجم النجوم الحائز لنوبل من سيطمس غيره. وأن هذا المعتمد كَشَافٌ: أن النقد غير المنقود دودة قز وإن أنتجت فلا تنتج إلا على منوال الصنف الأوحد، تستجلب آخر وأفضل منتج في الثقافة النقدية الغربية كموضة ترصع بها نفسها في زهو السائح بمعارفه، مطالعة ما قبل وما بعد الحداثة دون قراءة وتفكيك لحالها النقدي ولا إعمال للعقل النقدي فيما تنتج وما تكرس.

ومن هذا لم يعمل العقل النقدي في نقد الروائي نجيب محفوظ، ما نقد كله الروائي في غالب الأحيان دون تفصيص لتفاصيله ومراحله، وإن جَزاءَ النقد التطبيقي عمله بالكتابة عن رواية ما فلا توضع الرواية في سياق ما من روايته. 

رواياته التي تتنوع وتختلف وتتنمط وتنمط في البنية السردية وبنية الشخصيات، والسياق الجمالي من حيث الدلالة وجمالياتها، وبناء اللغة وتركيب اللغة في صياغة الجملة ونسجها وغير ذلك من تفصيص نقدي.
ونعود لنوكد بهذا الاعتماد فالتكريس وضع نجيب محفوظ في الأسر، فكرس ككاتب شبه إله مستبعد من إعمال العقل النقدي.