Atwasat

"أنت تسبح على مسؤوليتك"

جمعة بوكليب الأحد 21 أبريل 2019, 01:12 مساء
جمعة بوكليب

قبل أن أسلم قيادي للنعاس، كل ليلة، أحرص على القيام بجولة في القنوات والمواقع الإخبارية في مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنني خفير، مكلف من قبل آلهة بحراسة الدنيا، وبالاطمئنان على استتباب أمن العالم، وراحة من يعيش به من عباد. أحياناً، يعنُّ لي، بدواعي الفضول، بعد انتهاء جولتي الإخبارية ، أن أنعطف إلى تتبع ما ينشره، في صفحاتهم من تعليقات وإدراجات، أصدقائي الواقعيين، والافتراضيين.لفت اهتمامي، تلك الليلة، صورة فوتوغرافية، منشورة في صفحة الشاعرة هناء المريض،لإعلان تحذيري على لوحة معدنية، يعلوها صدأ، التقطت على شاطيء بحر، مجهول الهوية. التنبيه، أو التحذير بالأصح، كتب باللغتين العربية والإنجليزية، لافتاً اهتمام من يود السباحة في البحر، الذي لا نعرف أين يقع، إلى تحمل مسؤولية عمله، وذلك لعدم توفر منقذ. وهذا نص التحذير: "لايوجد منقذ أنت تسبح على مسؤوليتك".الجزء الأول منه: "لا يوجد منقذ " كتبت ببنط كبير، وواضح، وتحته ترجمة باللغة الإنجليزية. الجزء الثاني من التحذير: "أنت تسبح على مسؤوليتك" كتبت تحت الترجمة الإنجليزية للجزء الأول، وببنط أصغر، ومساحة أقل، وتحته الترجمة الإنجليزية.ما شد اهتمامي، في صورة التحذير، هو أن ناشرته عمدت إلى نشره في وقت تعيش البلاد فيه في حالة احتراب، ويتربص الموت بالناس في جبهات القتال، وفي الشوارع، والبيوت، والمزارع.. إلخ. أضف إلى ذلك، أن الإعلان يحمل في طياته معانيَ أخرى كثيرة. فأنت كقاريء لا تعرف إن كان يحذرك من مغبة السباحة في بحر الحرب الدائرة، حيث لا منقذ من موت محقق، أوخسارة مقيتة. ولا تدري إن كان يحذرك من مغبة السباحة في بحر مواقع التواصل الاجتماعي، وما قد تجنيه على نفسك من غرق محتمل. هناك أيضا احتمال بلفت نظر القاريء إلى مغبة السباحة في بحر الغرام، أو بحر الحياة، أو بحار أخرى عديدة، بدون أخذ الحيطة، والحرص على توفير طريق للعودة سالماً. لكن كل تلك الأشياء في "كوم"، وتحملك المسؤولية، التي يحرص على تذكيرك بها التحذير، في "كوم" آخر.

المسؤولية الشخصية تعني أن يكون المرء مسؤولاً، عن كل ما يتخذ من قرارات، وعما يقوم به من أعمال، وما يصدر عنه من أقوال، وتصرفات وسلوك. هذه المسؤولية الشخصية، إدراك ووعي. وفي رأيي، هي ما يميز الأفراد عن بعضهم بعض، وهي، تحديداً، ما يجعل من البني آدم كائنا، عاقلاً، مسؤولاً، محترماً لنفسه ولغيره من البشر، أو كائنا لا يختلف عن ذوات الأربع إلا بميزة قدرته على النطق.

خلال أحداث الحرب الدائرة، أخيراً، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، في ليبيا، إلى ميادين حرب أخرى، لاتلتزم بمواثيق، ولا تعترف بقيم أو أخلاق، ولا يبالي أصحابها بالأعراف أو بالقوانين التي تحرم الضرب تحت الحزام، وببساطة، حرب ضارية، وشظايا نيرانها تتناثر في جميع الجهات، ولا تفرق بين مؤمن وكافر أو عاصٍ. الأسوأ من ذلك، أن هذه الحرب، ككل الحروب، كان أول ضحاياها، الحقيقة. وثانيها، في رأيي، غياب المسوؤلية الشخصية، والاستعجال والاستسهال في إصدار أحكام، وآراء شخصية على أناس آخرين، تضع أصحابها أنفسهم تحت طائلة عقاب القانون.

المسؤولية الشخصية، قبل أن تكون دعوة للمرء بضرورة الحرص على نفسه، بتجنيبها مواقع الضرر، هي، أيضاً، دعوة له بتفادي إحداث ضرر، يمكن تجنّبه، لأشخاص آخرين، من معارفه أو من غيرهم. وبالتالي، فإن الكتابة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بقصد إحداث ضرر بآخرين، دون جناية اقترفوها سوى مخالفتهم في الرأي، أمر أصحابه في حاجة إلى وقفة، في غاية الجدّية، مع أنفسهم.

والحقيقة التي لا مفر لنا من مواجهتها، هي أن عديدين من هؤلاء مجرد أبواق مأجورة، تعتاش على ما تقوم به من أعمال، من وراء حجاب، خشية القانون، وبالتالي، فإن مهمتهم هي الإيذاء والتشويه والتضليل، لصالح من يدفعون لهم. لكن تأثير هؤلاء على ما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي شديد السلبية، لأنهم يحولون صفحات النقاش والحوار إلى مواقع تفتقر للصدق، والتحلي بروح المسؤولية، واجبة الالتزام، في أي حوار.

هناك أغلبية صامتة، غائبة أصواتها، عما يدور من نقاش وحوار فيما يحدث في ليبيا من أحداث طيلة السنوات الماضية. هذه الأغلبية، في رأيي، لها وجهة نظرمخالفة، وهي أنها ترفض الاعتراف بالعملة المتداولة بوجهيها. إنها لاتقبل بوجود مليشيات مسلحة، تثقل كاهل البلاد والعباد بأعبائها وتصرفاتها غير الخاضعة للقانون، وفي نفس الوقت ترفض أن ترى البلاد، بعد كل ما عانته من ويلات، تعود من جديد مرغمة إلى القبول بعودة "معسكر باب عزيزية"، آخر، وما يمثله في الذاكرة الليبية من آلام تحتاج لعقود من الزمن كي تندمل جراحها. هذه الأغلبية، حين أتيحت لها الفرصة، عبر صناديق الانتخابات، مرتين، عبرت عن نفسها بقوة، واختارت، بديمقراطية، وبكامل المسؤولية، الطريق الذي تريد لبلادها السير فيه، في قادم السنين.