Atwasat

لعنة الجراد

جمعة بوكليب 1 يوم
جمعة بوكليب

في تواريخ الشعوب، ومسيرات تطورها ونهضاتها، ثقافياً، وأدبياً، وفنياً، تبرز، على الطريق، محطات رئيسة بأسماء لكتاب ولمثقفين ولفنانين، كان لهم دور متميز في تصميم وتوطيد، وتطوير تلك المسيرات، يقف عندها الدارسون والنقاد، والمؤرخون. وفي ليبيا، يظل اسم الكاتب والاديب المبدع أحمد إبراهيم الفقيه، أحد أهم المحطات الرئيسة في تاريخ تطور الثقافة والإبداع الليبي منذ الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن.

وشخصياً، أعتبر الأستاذ الصديق أحمد إبراهيم الفقيه، مَعْلماً ثقافياً ليبياً، وعربياً، ومُعَلماً لي ولغيري من أبناء مرحلة جيل الاستقلال، وأعني بذلك من اختار منهم السير في درب غواية الحروف، وعشق الكلمة، وامتلك عقله ووجدانه سحرُ الإبداع.

كانت مجموعته القصصية الأولى، المعنونة، "البحر لاماء فيه" والصادرة عام 1965 والفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة هيأة رعاية الفنون والآداب في ليبيا، من ضمن أول ما قرأت من قصص قصيرة ليبية، وكان اسمه من ضمن أول من عرفت من كتاب ليبيين، في وقت كانت ليبيا قد بدأت تضع، قدميها، بخجل وبتردد، على أرض عالم الإبداع العربي، الذي كانت، وقتذاك، قبلته القاهرة.

"البحر لا ماء فيه"، مجموعة قصصية متميزة، في أسلوبها، وفي حكاياتها، وفي قدرتها على الإحاطة، فنيا وجمالياً، بضفيرة من الإشكالات التي بدأت تظهر على سطح واقع حياتي آخذ في التغير والتطور. ومازلت أذكر من قصص تلك المجموعة قصة بعنوان " الجراد"، تحكي عن قرية ليبية، تتعرض لغزو أسراب جراد، بشكل مهدد لحياتها. لكن سكان القرية يبتدعون طريقة مقاومة كانت كفيلة بالقضاء على عدو جاءهم غازياً، ومنذراً بموتهم، والقضاء على قريتهم. وبدلا من أن يأكلهم الجراد أكلوه. وحولت القصة إلى فيلم تلفزي، قام ببطولته الفنان المرحوم على القبلاوي.

وعلى مستوى الأدب العالمي، لعل كثيرين ممن قرأوا رواية "الأرض الطيبة" لكاتبة أمريكية اسمها "ايرل بيك" ربما يتذكرون الجزع الذي ألم بأهالي تلك البلدة الصينية، حين سمعوا بظهور سحب من الجراد، وكيف استعدوا لمواجهة عدوانها على محاصيلهم. 

ولأن الجراد يظهر ويغزو ويفتك على شكل مجاميع هائلة، تغطي مساحات كبيرة، وتسبب ضرراً كبيراً، قامت مؤسسات الصناعات العسكرية في الغرب باختراع سلاح صاروخي، أطلقوا عليه اسم "جراد"، صمموه وصنعوه ليكون شبيها في ضرره بما يحدثه غزو الجراد. وظهر، لأول مرة ، خلال الحرب العالمية الثانية حيث استخدمه الجيش الروسي بكفاءة في هجومهم الأخير على الألمان، مما ألحاق خسائر فادخة بهم وبمعداتهم وقراهم وبلداتهم.

ويبدو أننا في ليبيا، رغم تقادم السنين، مازلنا نعاني من مطاردة لعنة، ظلت تلاحقنا، وتحيل حياتنا إلى جحيم لا يطاق، اسمها "الجراد".

في عام 2011 خلال الانتفاضة قام النظام العسكري باستخدام صواريخ جراد في قصف مدن وبلدات أعلنت تمردها ضده، ورفعت راية محاربته بهدف إسقاطه. بعد ذلك دخلنا في نفق آخر، أشد عتمة ورعباً، شهد بداية مسلسل جديد، تقوده جماعات مسلحة، بعضها مؤدلج، دخلت في صراع مرير، وخطير، من أجل السلطة والمال والنفوذ، وكان سلاح صواريخ الجراد، أحد أسلحته، وأخطرها ضرراً، واشدها تدميراً. وكان حرق وتدمير مطار طرابلس العالمي، وما يحيط به من أحياء سكنية، من أبرز نتائجه.

الآن، وبدلاً من أن تكون وفود المؤتمر الجامع، قد اجتمعت في غدامس، وتوصلت إلى تصميم خارطة طريق، تنقذ البلاد، وتخرجها من النفق الذي دخلته منذ ثمانية أعوام، وجدنا أنفسنا، رغما عن كل نوايانا الطيبة، وصلواتنا ودعائنا، نعود إلى نفس المربع، الكريه، الأول. وصرنا بدلاً من التوافق الذي كنا نطمح إليه، نرى بلادنا تقاد، بحق وحقيق، نحو هاوية لا رجوع منها. وبدلاً من سماع موسيقى وأغاني الفرح محمولة على أجنحة القلوب قادمة من واحة غدامس بالبشرى، وصلتنا دقات طبول حرب أخرى محمولة على لهب نيران صواريخ جراد، صارخة بالنذير. تدك بيوت ومنازل مدنيين، أمام سمع وأنظار ما يسمى بالأسرة الدولية، وممثلها في ليبيا.
هل ستكون الحرب الدائرة حالياً، في طرابلس وضواحيها، دعوة موجهة لفتح الأبواب مشرعة أمام جيوش تدخل أجنبي؟