Atwasat

اعطوني ميتا أخلق لكم جمعية

سالم العوكلي الثلاثاء 09 أبريل 2019, 03:06 مساء
سالم العوكلي

في مواجهة نظام الإمامة الذي يستمد شرعيته من المقدس الديني، قامت النظم العربية ما بعد الاستعمار بابتكار المقدس التاريخي، والاستعانة بهالة الرموز التاريخية الميتة ومبدأ الكفاح الثوري، كي تنال الشرعية وفقه، ما شكل بنى اللاوعي السياسي الذي هيمن ومازال على حقب طويلة من تاريخنا. 

الأموات يحكمون الأحياء، سواء أكانوا أولياء أو شهداء أو رموزًا بشرية من التاريخ، فيستعاذ من الشرعية الديمقراطية بالشرعية التاريخية، ومن مجالس النواب المنتخبة بمجالس الشورى المطيعة، وتحت لافتة ضخمة مزينة بآية "وأمرهم شورى بينهم" تقام أعتى أنواع نظم الطغيان الفردي، فكل مستبد ينبش في تاريخ إقطاعيته ووجدان

رعيته ليضع صورة ميت خلفه أو على العملة أو في واجهة خطاباته، ونصا مقدسا يقيه شرور الحداثة ونتاجات العقل السياسي الحديث. 
ما شهدناه بعد سقوط النظام الذي ألغى التاريخ والتجربة السياسية قبله وانتزع منه صورة عمر المختار معزولة عن كل سياقاتها التاريخية كي تكون الامتداد التاريخي لشرعيته، ما شهدناه أن البديل لهذا النظام لم يكف هو أيضا عن نبش المقابر كي يستدعي الموتى لكسب الشرعية الجديدة، ومن جديد ظهرت صور المختار المستعاد من قبل الثوار من احتكار الاستبداد لقداسته لتكون شعارا للتغيير، مصحوبا بلازمة أن هؤلاء الثوار هم "أحفاد المختار" ومن المفارق أن يطلق هذا الاسم حتى على منتخب كرة القدم الليبي، ويكتسب المختار هالة النبي الممنوع نقده بأي شكل من الأشكال أو طرح حقبته في سياق التحليل الموضوعي لشخصية تاريخية لها صوابها ولها أخطاؤها البشرية.

الملاحظ بعد سقوط النظام وفراغ الساحة من منظومة المقدسات التاريخية تحول الشهداء الذين تتنازعهم كل الأطراف لمصدر شرعية، وكان لزاما على كل متحدث في السياسة أن يترحم في بداية حديثه على الشهداء، ليغدو هذا الطقس لازمة مثل مقدمة الخطب الدينية التي تصلي وتسلم على خاتم الأنبياء وآله، وفي مثل هذا الصراع حول الشرعية المكتسبة من دم "الشهداء"، توضع مطالب الأحياء بالديمقراطية جانبا. وهذا التمسك بالموتى لإدارة شؤون الأحياء أو التحكم فيها جعل التيار الذي خسر انتخابات المؤتمر الوطني يشكل كتلة ويسميها (الوفاء لدماء الشهداء) ويتمترس خلفها، بما يفسر المقولة الشعيرة "اعطوني ميتا أخلق لكم جمعية" أو أخلق لكم حزبا أو كتلة أي وقوف في وجهها أو تنافس معها يقع تحت طائلة هدر دم الشهيد. 

استعانت النظم الانقلابية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بمقدساتها التاريخية (الثورات الوطنية ضد الاستعمار، وتحرير فلسطين، والوحدة العربية ومواجهة الإمبريالية وغيرها من التراتيل) وحولتها إلى شعائر وطقوس كي تبرر العنف الذي صاحب هذه الأنظمة ضد أي نقد أو مخالفة أو مطالبات بالإصلاح الديمقراطي. يقول المفكر الجزائري، بومدين بوزيد، في صدد تعديده للخاصيات التي ربطت النظم العربية بالقمع والعنف "هذه الأيديولوجيا الوحدوية أو المقاومتية تعطي أهمية لتاريخ الحرب والبطولات، وبالتالي تشكل ضمنيا ثقافة تمجيد الضحية = الموت، ما معناه إعطاء أهمية للفعل العنفي الذي كان شرعيا في زمن معين. هكذا تتحول قيم الجهاد والكفاح القومي عند السلطة العربية اليوم إلى مجال للارتزاق السياسي ووسيلة لقمع المعارضة والتضييق في الحريات الفردية"*.

وإذا ما سحبنا هذا التوصيف على يومنا هذا، فسنجد أن النظم القديمة تحاول إعادة إنتاج نفسها عبر ورثتها الذين يسترزقون سياسيا على نظرية المؤامرة أو بما يسمونه الحرب على الإرهاب "المقدسة" التي بحجتها ومن جديد يقمع أي تيار معارض وتضيق الحريات الفردية، ويتحول الحاكم الذي وصل عبر صناديق الاقتراع، وفق دستور يضمن تداول السلطة، إلى مخلص أوحد قادم من السماء كي يحبط المؤامرة أو ينشل الشعب من الفقر، فيسحب سلم الدستور الذي أوصله إلى السلطة خلفه، ويستعين بشرعية المخلص المبعوث من السماء، وهي الشرعية التي تجعل الدستور ينحني لها وتستمر عٌهد الحاكم دون توقف حتى وإن كان لا يستطيع الكلام أو ميتا سريريا، لأنه تحول هو نفسه إلى مقدس تاريخي، ويضيع منا الطريق مرة أخرى نحو مصدر الشرعية الوحيد المتمثل في الديمقراطية وتداول السلطة السلمي.

ولكن من أين جاء هذا الإرهاب الذي أصبح تقية النظم الجديدة ضد منطق من ينادون بالديمقراطية وحقوق الإنسان؟

تضيق المساحة حول الوعي المضاد الذي يعتبر كتابة دستور ديمقراطي مقدسه التاريخي الوحيد، وفي مواجهة هذه المقدسات التاريخية المطبق على خيال الوعي البديل، لن تتشكل مساحة سوى لتيار مضاد يملك مقدساته وضحاياه التي تعطيه شرعيته، ويستخدم وسائل العنف نفسها التي تستخدمها السلطة، مقدس في مواجهة مقدس، وعنف في مواجهة عنف، وضروري هنا كما يقول بومدين "التمعن جيدا في العلاقة بين مقدسين مختلفين من حيث الرؤية والتصور، ومتناحرَين سياسيا ولكنهما يلتقيان في كون آليات التفكير واحدة واعتماد قوة المخيال المحمل بقيم الموتى ووصاياهم وثقافة الأبوة وتقاليد التسلط الاجتماعي، وكذلك يؤديان إلى نتيجة (الفعل العنفي) كسلوك سياسي للبقاء في السلطة أو الوصول إليها.".

ولعل بروز هذا التيار في قلب الثورات العربية التي جاءت بشعارات وعي العصر، وتأميمها لصالح مخياله المحمل بمقدساته كبديل للقداسات التاريخية التي أطيح بأصنامها، يفسر هذه الرؤية لطبيعة الصراع التي ميزت المرحلة السابقة لما سمي الربيع العربي المتفرع عن ربيع الحداثة التي فرضت نفسها في مجتمع الشباب عبر تقنياتها المعلوماتية والرقمية، لكن النظم السياسية الطقوسية القديمة التي غيبت أي بدائل سياسة مدنية خلقت نظما دينية طقوسية في مواجهتها، وكانت من التنظيم بالقدر الذي جعلها تجتاح هذه الثورات، وإن بمستويات مختلفة تحددها طبيعة المجتمع والدولة التي حدث فيها التغيير.

ولكن، في جميع الأحوال، ظل المكوث عند الموتى ومواجهة القداسات المتناحرة، الوسيلة الغالبة للبحث عن الشرعية الجديدة، والأحياء الذين حلموا بالتغيير عادوا إلى معتكفاتهم ، وبعضهم اندمج في جوقة التغني بالموت أو الشهادة كوسيلة وحيدة لأن تكون على حق.

في أحاديث كثيرة في وسائلنا الإعلامية وصلنا إلى مرحلة أن الشهيد هو الكائن الوحيد الموثوق فيه وأنك لن توصف بالوطنية إلا حين تصبح شهيدا، وإذا ما تحدثت عن القيم الديمقراطية الحديثة أو انتقدت منظومات استعادة الاستبداد، سيُشهر دم الشهداء في وجهك من قبل حتى من جاءوا لهذا الاحتفال بالموت من باب العلمانية، والمحصلة أن التغيير قام في المكان الذي يحتاج إليه لكنه سُحب من الزمان، ورُحِّل إلى زمن آخر حاشد بالموتى المبجلين وبالعنف المقدس من ماض سحيق. 

يقول بومدين، في أواخر القرن الماضي وقبل ربع قرن من يومنا هذا، وفي وصفه للصدام الحادث بين المقدسين، التاريخي والديني: "هذا العنف يشتد لهيبه في بعض البلدان العربية، وقد تصيب شظاياه بلدانا عربية أخرى، وإذا ما استمر هذا التدمير الذاتي مع دخول القرن الواحد والعشرين، فإن فرص التفاؤل بمستقبل حضاري ستتضاءل ... والرهان الحقيقي اليوم هو: هل نستطيع صناعة مستقبلنا بأنفسنا وامتلاك زمننا الذي هو ليس بأيدينا، أم نبقى تحت رحمة قدرية عمياء.". 
*بومدين بوزيد ــ سلطة الرمز .. و "خطاب العنف" ــ مجلة المستقبل العربي، العدد (228) فبراير 1998