Atwasat

حدٌّ فاصلٌ بين مرحلتين؟

نور الدين السيد الثلثي الإثنين 01 أبريل 2019, 04:21 مساء
نور الدين السيد الثلثي

يَـعِدُ المؤتمر الوطني الجامع بأن يكون حدّاً فاصلاً، في نجاحه أو فشله على حدٍّ سواء. لن يتفق الرأي حول ما سيُعتبر نجاحاً، فالمضمون الذي سيُطرح للنقاش غير معلوم، ولا مَن سيكون المشاركون فيه، وليس في الوقت المخصَّص له ما يسمح ببحثٍ واسعٍ لمحنةٍ طالت المعاناةُ تحت وطأتها. ما يجعل نتائج المؤتمر موضعَ شكٍّ شديد هو مدى تأثير أصحاب سطوة المال والسلاح، ذوي المصالح المعقودة على استمرار الأمر الواقع، والذين لهم في قيام دولة والقانون ما يخشوْنه. سيقاومون كلّ تغييرٍ يُنذِر بنهاية سطوتهم وحصادِ فسادهم. أما مَن رحِم ربُّنا في المشهد القائم اليوم فاستثناءٌ لا يُقاس عليه.

تقاسُم السلطة (في الواقع محاصصةٌ بين متنافسين على الثروة)، وسطوة المليشيات، وتغييب القانون، وعمالة البعض، أركانٌ لمنظومةٍ تم ترسيخها على مدى السنوات الماضية؛ أغرَقَت البلاد في فسادٍ عظيم هو أوضح ما يكون في التكالب على المناصب حيثما وُجد مالٌ عامٌّ وفرص إثراء. دائرةُ الفساد هذه لم تقتصر على سرقة المال العام؛ فهناك انتهاك القانون، واستغلال السلطة، وتوظيف المركزية - المُهلِكة في ذاتها - لمحاباة الأهل والمنطقة والمدينة والقبيلة، والإفلات من المحاسبة، والمخاطر المحدِقة بالوطن نتيجةً لكل ذلك. ما كانت شعارات الوطن والثورة والدين غيرَ جسر عبور، وما عاد في القادة خيرٌ أو قُدوة.

في المقابل، قوىً دولية تتنافس على مصالح لها في موارد البلاد وموقعها، وفي مَن يجلس على الكراسي. استلمت زمام الأمر بالقوة وقراراتٍ دولية، تملك من أدواتِ الإقناع والإغراء والإكراه و’الأصدقاء‘ ما تفرض بها ما تريد. النموذجُ الحيُّ - أو شبه الحيِّ - لبضاعتها يتجسّد في اتفاق الصخيرات وأجسامِه، وإطارِه المانع لقيام الدولة حين تغاضَى عن وضع الآليات الكفيلة بحلّ المليشيات وقيام المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية. 

ليبيا جزءٌ من عالمٍ عربي متفسّخ أخضعته الولايات المتحدة الأمريكية لإرادتها ومصلحة عدوّه، صادرت حقوق شعوبه، وأذلّت حكامه، في علاقة قديمة، الجديد فيها سوء سلوكٍ وعربدةٌ تميَّز بهما آخر ساكني البيت الأبيض عن سابقِيه. واهمٌ مَن يظن أن الولايات المتحدة وشركاءها في ’المجموعة الدولية‘ سيخصّون الليبيين، من دون كل العرب، بكرم النوايا والدعم البريء. ’دعمهم‘ أفضى إلى مُخرجات الصخيرات وإلى تدخّلَهم في كل شأن، من إدارة الهجرة والسواحل والأموال إلى وضع الأساس لمباني مراكز الشرطة. ليس في تجربتنا معهم نموذجٌ آخر يشير إلى قدرٍ مبرَّرٍ من التفاؤل أو الثقة المستحَقّة. 

أيّ مرحلةٍ جديدة يُعِدّ لها ذوو المصلحة في استمرار الوضع القائم، وعلى ذات أركان المحاصصة وسطوة المليشيات وتغييب القانون، سيؤدي إلى ذات الفساد العظيم، وإن تغيّر الشكل والواجهات والأسماء. المفسدون لا يُصلِحون، والفساد أساسٌ لبناء شبكات الجريمة لا الدول.

أما عناء المقهورين في وطنهم وقوتهم، أمام المصارف وتحت الظلام، فلن يرفعه غيرُ قيام عهدٍ جديد تكون الإطاحة بالفساد بأشكاله وأركانه غايتَه.