Atwasat

«مارس ذهب خالص»..

أحلام المهدي السبت 23 مارس 2019, 01:12 مساء
أحلام المهدي

ترفع بعض القنوات شعارا خلابا هذه الأيام لرعاية فرسان المتوسط هو "الامجاد هذا يومها" فتستدعي الصوت القوي للراحل أشرف محفوظ ليحدث توازنا نحتاجه مع عذوبة صوت تونس مفتاح وهي تغازل أصحاب الإنجاز الليبي في كل مكان "ضنا بلادي يا حدّ الزين"، فنتمنى معهما أن نصل مع الفرسان إلى تخوم الحلم الأفريقي في "القاهرة".

لكن أبطال الأولمبياد الليبي الخاص كان لهم رأي آخر من "أبو ظبي" فقالوا بطريقتهم إن الأمجاد هذا "شهرها" وليس فقط يومها، لأن مارس هذا الشهر الذي يحمل روائح الأطفال ولمسات النساء بين ثنايا أيامه أراد بقوة أن يصنع لنا فرحا استثنائيا لم نعهده.

كانت منتخبات كرة القدم المختلفة ترسل إلينا إشارات الفرح من العواصم القريبة والبعيدة، بالإضافة إلى الحلم الأفريقي الذي عاد إلى الحياة من جديد لننتظر ولادته غدا في صفاقس، كرة القدم هذا العشق الليبي الذي ولد في الأزقة الترابية وعاش في كرات البلاستيك والجوارب المهترئة ليتألق في مستطيلات العشب الأخضر، لن نستغرب تميز الأقدام الليبية في الملاعب بل بالعكس فإن الغريب هو ألا يترجم هذا العشق إلى كؤوس وبطولات وابتسامات تشع على منصات التتويج ودموع تبلل القمصان الحمراء.

الغريب حقا هو أن تأخذنا إلى منصات التتويج طرقٌ لم نعهدها، بجهود وعرق من نسميهم "ذوو إعاقة" دون أن نفكر في ماهية هذه الإعاقة التي لا تمنع من شيء ولا تبعد عن شيء ولا تتعارض مع الأحلام مهما كبرت، تمتد شواطئنا آلاف الكيلومترات ومع هذا لم يجعلنا ليبي نشعر بهذا كما فعل الدولفين "نعمان فلفل" ورفاقه ورفيقاته في الألعاب الصيفية العالمية في أبوظبي وقبلها في عدة مدن في العالم.

وصلوا البارحة إلى مطار امعيتيقة مثقلين بالذهب العالمي، أعضاء الوفد البالغ عددهم "36" لاعبا ولاعبة لم يشاركوا إلا في تسعة ألعاب فقط من "24" لعبة، لكنهم حصدوا ستين ميدالية منها "24" ذهبية و"21" فضية و"15" برونزية ليحتل أبطال الأولمبياد الليبي الخاص المرتبة الرابعة عربيا بعد الإمارات وسوريا ومصر، ونحن نعي تماما حجم هذه الدول وثقلها البشري والمادي في كل الرياضات وليس فقط هنا.

رياضة "البوتشي" المزدهرة في إيطاليا وفي الولايات المتحدة والتي يترفّع بعض الأصحاء عن ممارستها، كانت مسرحا كبيرا لأبطالنا الذين ظفروا بذهبيتها بعد فوز عريض على المنتخبين الأميركي والبحريني، ولم تكتفِ بنتا المنتخب غادة حمّودة وهناء بوراوي بهذا فأحرزتا ذهبية وفضية الفردي سيدات، وأحرزتا معا برونزية الزوجي سيدات.

من رقة البوتشي إلى صلابة الأثقال تألقت الربّاعات سعاد زايد بثلاث فضيات وبرونزية في وزنها، وسلوى بوشناف بفضية وبرونزيتين في وزنها أيضا، وحنان الأوجلي بفضيتين وبرونزيتين، ومنى الزاوي بثلاث ذهبيات وفضية.

بالإضافة إلى رفاق ورفيقات الدولفين "فلفل"، فقد تعددت ألوان الميداليات فكانت ذهبية سباق 25 متر سباحة حرة من نصيب عمر الهروس الذي أحرز أيضا فضية 25 متر ظهر، وكانت فتيات السباحة في الموعد أيضا فأحرزت ريحان بن جليل ذهبية 25م ظهر،ومرام بن عيسى فضية 25م سباحة حرة.

أحمد عزّوز وذهبياته الثلاث، علي الغلاش وذهبياته الأربع، صفوان الشروالي وفضياته الثلاث، أنور الدكّام، طه حسين، روعة المقصبي، عقيلة عبدالسلام، علاء الفوراوي، محمد الحطاب، مازيغ عزالدين، أحمد فرحات، أبرار علي، عبدالرؤوف زايد، نجاة أحمد، عمار الشطشاط وآخرون، هؤلاء من يجب أن نتحدث عنهم عندما نريد أن نتحدث عن ليبيا، وهؤلاء من يجب أن نفتخر بإنجازاتهم لأن مثلها لا يتحقق بسهولة.


كأنهم لا يعيشون معنا في المكان والزمان ذاتهما، يعجز أحدنا عن الخروج من البيت أحيانا لأنه "ماعنداش جهد" أو ماعنداش "خلوق" أصلا، بينما يعمل هؤلاء الأبطال تحت وطأة الظروف نفسها، يجدّون ويجتهدون ويحلمون ليستجيب القدر ويطوّع لهم الزمان والمكان فيعلقوا على جيد الوطن عقود الذهب والأمل، ويرسموا ببراءتهم ملامح المستقبل الواعد لهم ولنا.