Atwasat

يا دنيا دوّارة.. والذائقة التي تحتفي بالشجن

أحلام المهدي الثلاثاء 19 مارس 2019, 01:48 مساء
أحلام المهدي

"يا دنيا دوّارة طبعك دوم غدارة"، إنها كلمات الأغنية التي اجتاحت كل مكان في ليبيا ما جعلني أبحث عن نسختها الأصلية في ظل تسجيلات كثيرة لها، من فنانين من العراق وسوريا وحتى ليبيا، فلغتها البيضاء التي لا تتعارض مع المعنى الليبي تجعلك تفشل في تخمين جنسيتها الأصلية، إلا أن مفردة "شلون" تنسبها إلى أرض بعيدة عن شمال أفريقيا، لكن فنانين من ليبيا "ليّبوها" وجعلوها تلامس الإيقاعات الليبية لتتفاعل معها بأناقة جعلت الكثيرين يظنون أنها أغنية ليبية.

أحد هذه التسجيلات كان للفنان الكردي "محسون" الذي غناها بغير العربية، فما الذي يوحد الذوق في الأراضي البعيدة ويجعل كلمات أغنية ما تجري على الألسن وتتسلل إلى الآذان من المحيط إلى الخليج؟ وما الذي يجعل اللحن مغناطيسا يجذبنا حتى دون أن نفهم الكلمات؟ ماذا نحب وما الذي يشدنا؟

بعيدا عن "الدنيا الدوارة" التي يعاتبها الكبار والصغار في الشارع الليبي وفي السيارات وحتى في الأعراس، تشهد بعض الأغنيات حالة قصوى من الانتشار في العالم العربي كله، فلا تقيم للحدود ولا للهجات أي اعتبار، هناك مثلا الأغنيات العراقية التي لا تعتبر جديدة على الذوق العربي والليبي تحديدا منذ أيام الأبيض والأسود عندما كان العيد في ليبيا مرتبطا بسؤال العراقي ناظم الغزالي "أي شيء في العيد أهدي إليك يا ملاكي؟"، ثم ظهرت بغزارة أغنيات سعدون الجابر على الشاشة الليبية اليتيمة في سبعينيات القرن الماضي وطرحت سؤالا آخر هو "هلك وين يا نجوى؟" بالإضافة طبعا إلى أغنيته الأشهر "يا أمي يا أم الوفا"، رغم أن هذا قد لا يكون معيارا للقبول الشعبي لأنه مرتبط بمزاج النظام السياسي الذي تسلّل إلى كل تفاصيل حياة الليبيين.

بعد ذلك استمر هذا الاجتياح الجميل للأغنية العراقية التي وصلتنا هذه المرة بصوت كاظم الساهر فنقل إلينا كلام الحب والشوق للشاعر كريم العراقي، واستدعى بألحانه العذبة بعضا من قصائد نزار قباني فحفظها بصوته من لم يقرأ الشعر يوما، وغنّى الجميع بنَهم "زيديني عشقا"، وقد تفوقت الأصوات العراقية الشابة أيضا على الجميع اليوم خاصة في بعض العواصم العربية القريبة من بغداد مسافة وثقافة، تماما كما تطرب الليبيين أغاني الراي الجزائري والراب التونسي بما فيهما من حزن وغضب وفقد وغربة وأيضا الأغنية المغربية التي وجدت لنفسها موطئ قدم في البلاد العربية كلها.

أما الأغنيات العراقية فقد نقلت للجمهور العربي وجها مختلفا من الغناء، جعل الكلمات العراقية تتجاوز الحدود وتدخل البيوت وتستأثر بمشغلات الموسيقى وتحظى بملايين المشاهدات والمتابعة في كل مواقع التواصل الاجتماعي، فما الذي يميز الأغنية العراقية وما الذي منحها هذه القدرة الهائلة على الانتشار في كل البقاع التي تتكلم العربية؟

جرعة هائلة من الشجن تضخها الكلمات العراقية في الأغنية، تدعمها أصوات كأنها وخز خفيف لجرح، مع ألحان يبدو جليا أنها استمدت شيئا من جمالها من مصدر روحي يعرفه العراقيون أكثر من غيرهم، ومن يستمع إلى بعض الأناشيد الدينية العراقية يدرك تماما سر جمال وروحانية الأغنية العراقية وقدرتها على لمس مناطق في النفس البشرية لا يقترب منها إلا الحزن والفقد والعشق أيضا عندما يسمو إلى أقصى درجاته.

يقول المنشد "الرادود" باسم الكربلائي:
نسيتك ثواني
خيالك إجاني
أخذني لشاطي حبك
أريد اعطش واكتبك
ويقول الفنان علي جاسم:
هوا ماكو هوا
من نحن مو سوا
ظلمة أحس حياتي
فدوة ارجعلي يا ضوى
كلاهما عاشق هنا والعطش مثل الاختناق حاجة ملحة للماء والهواء، وعندما تسمع الأغنيتين لن تعرف أن إحداهما أنشودة تتحدث عن رمز ديني له عشاقه الذين يهيمون به حبا، يقول المنشد محمد الحجيرات:
أنا ما أملك وجودي كل وجودي بين يديك
شلون يصير وأنا ملكك أبخل بدمي عليك
الفنان سيف نبيل لم يبتعد كثيرا عن المعنى عندما قال:
عشق موت أموتن بيك يالغالي
ياللي انت النفس مالي
فواحد لا يبخل بدمه على من يحب والآخر يعشق حدّ الموت فالحب لكليهما مرادف للحياة بعيدا عن الدين وقريبا من الروحانية الشفافة.
لكن المساحة تضيق بينهما عندما يستعير الفنان من المنشد لحنه وصدى ألم لذيذ يسعى إليه، ويستعمل أيضا مفرداته ذات الخلفية الواضحة ولا يجد حرجا في ذلك لأنه أراد فقط أن يمنح شيئا من المصداقية الروحية لمشاعره، يقول الفنان نور الزين:
أطق روحي بحديد
على حبي الوحيد
أقله ارجع إلي
يا حبي الأوّلي

لا تعني المستمع في شيء تلك الخلفيات العقائدية، لأن ما يشده هو كمية الشجن التي تغلف الأغنية العراقية وتتسرب إلى كل حرف فيها ولمسة الحزن الذي لازال حتى اليوم يستهوي عقل وروح الإنسان العربي، العشق حدّ الموت وإيذاء النفس، اختصار السعادة في وصل الحبيب أو حتى ابتسامته، ومن جهة أخرى عندما تريد الأغنية العراقية أن تحول العالم إلى مسرح للرقص والحياة فإنها تفعل هذا بإتقان كبير وسلاسة غريبة في انتقال ساحر من بقعة إلى أخرى في ردهات وخبايا النفس البشرية.