Atwasat

مذكرات عمر المختار ومعتقلات الفاشية

سالم العوكلي الثلاثاء 19 مارس 2019, 01:39 مساء
سالم العوكلي

ربما بسبب إقامتي في قرية معزولة، أو لصغر سني آنذاك، لم يكن في مقدوري التفاعل مع فترة السبعينيات كأول عقد دشن فيه الانقلاب العسكري بداية منظومته الاستبدادية، ووجد الطلاب أولاً ثم الكُتّاب أنفسهم في الصف الأول في مواجهة ذاك النظام الشرس وهو يبني قواعد الدكتاتورية، فتبدلت هيكلية الدولة جذريا عب إجراءات تعسفية نقلت المجتمع من دولة القانون إلى دولة الإكراه، ومن حكم المؤسسات إلى حكم الفرد المهووس بالسلطة.

في قريتي القيقب ــ حيث كان عمري 8 سنوات حين حدث الانقلاب ــ لم أكن على دراية بما يحدث، لكن ما أذكره أني كرهت القذافي لسبب واحد: لأن أبي كان يكرهه، وكنت أثق كثيرا في أبي الذي عاش مراحل الفاشية الإيطالية الأولى في ظروف صعبة بين اليتم والجوع والمعتقل، كثيرا ما حدثني عنها، وكأن هذه المرحلة شكلت له قرون استشعار وحاسة شم يتحسس بها رائحة الفاشية بشكل غريزي. تحسنت بعد الانقلاب أحواله المادية كثيرا، لكنه لم يتوقف عن مقته للقذافي، وحين رأى أجساد الليبيين تتدلى من الحبال في الأماكن العامة وتضرب ويُبصق عليه وهي تُحتضر، كان يَصفِق يداً بيد ويقول: حتى الطليان لم يفعلوا هذا؟

دراستي في القرى ربما أسهمت بقدر كبير في إبعادي عن مطابخ النظام الضاجة التي كانت تركز على مدارس وطلاب المدن، عبر استدراج الطلاب المميزين إلى هذه الطبخة عن طريق استخدام الاتحادات الطلابية أو الدورات العقائدية أو الأنشطة المدرسية أو المثابات الثورية، كما أن اللقاح الذي أخذته عن أبي ضد الفاشية مازال يعمل حتى الآن بوعي أو بدونه.

كان صدامي الأول المباشر مع هذه المنظومة ــ التي اخترقت الوسط الطلابي بعد أحداث أبريل منتصف السبعينيات وصفَّته تقريبا من كل نبض مشاكس عبر الاحتفال السنوي بذكراه الدموية ــ في أحداث الحادي عشر من أبريل العام 1982، بفرع جامعة قاريونس بالبيضاء، حيث كنت أدرس الفصل السادس بكلية الزراعة، ومنذ ساعات الصباح الأولى في ذاك اليوم المشؤوم اكتظت ممرات وفضاءات الجامعة باللجان الثورية ورجال الأمن الذين يرتدون ملابس مدنية، وبدا اليوم الدموي الذي ضُرب فيه الطلاب والطالبات وبعض أعضاء هيأة التدريس والعاملين في الإدارة، اعتقل بعض الطلاب وفُصِل بعضهم وهيمن طلاب المثابة على الجامعة بالكامل، ما أدى إلى حرماني وغيري من الطلاب المتفوقين من إكمال دراستنا العليا، رغم أنه لم يكن لي شخصيا أي موقف سياسي أو نضالي أو صدام مسبق مع هذه المنظومة، وكنت مجرد طالب قروي اجتهد حالما بإكمال دراسته العليا، لكن في تلك الفترة كان التفوق في حد ذاته تهمة، مثلما كان الوعي الوطني التهمة التي دفع ثمنها باهظا عمر المختار الوافي ورفاقه.

كنت خلال هذه المراحل ومنذ دخولي الثانوية شغوفا بالقراءة وكتابة الخواطر التي كنت أسميها شعرا، وكان طلاب وطالبات فصلي، وبعض معلمي اللغة العربية،هم جمهوري الصغير المشجع الذين مازلت احتفظ بملاحظاتهم على ما أكتب وأمنياتهم في كراسة جمعتُ بها خواطري تلك.

كان نص "حين تصحو.. حين تموت" أول نص أنشره في مجلة الناقد اللندنية العام 1989 كأول مطبوعة أراسلها لاختبر صلاحية نصوصي، وهو نص تلمست فيه عذاب أصدقائي المثقفين والكُتّاب في أقبية القذافي الذين لم أتعرف عليهم بعد، وكانت السبب في تعرفي على الشاعر والمناضل إدريس ابن الطيب الذي خرج من السجن حديثا ونُشر له نص في العدد نفسه، وكانت تلك بداية علاقتي وارتباطي بالكتاب والمثقفين الخارجين من السجن في ما سمي "أصبح الصبح".

تعرفت شخصياً على الأصدقاء: أحمد بللو، أحمد الفيتوري، إدريس المسماري، عمر الككلي، محمد الفقيه صالح، منصور بوشناف، رضا بن موسى، السنوسي حبيب، وآل البشتي من الزاوية، رجب الهنيد ود. محمد المفتي ممن لم يتوقفوا عن الفعل والتواجد في قلب الحراك الثقافي الليبي، وصرت كأني واحد منهم لدرجة أن رئيس اتحاد الكتاب د. علي فهمي خشيم كان يعتقد أني من جماعة أصبح الصبح ولفترة طويلة، واستفدت الكثير من هذا الارتباط بعد عقد الثمانينات الضائع الذي بدأت فيه اهتمامي بالكتابة ولم أجد من جيل السبعينيات السابق لجيلي أحداً في الساحة، وأستطيع أن أقول إني حرقت مراحل من تكويني الثقافي والإبداعي نتيجة تعرفي على هذه النخبة المثقفة بكل شواغلها تجاه المعرفة والوطن والإبداع.

ثمة مناضلون آخرون دفعوا الثمن الباهظ في مواجهة هذا النظام على الجبهة السياسية، لم أتعرف عليهم إلا متأخرا،لأنهم لم يكونوا من مريدي المهرجانات والندوات التي كانت تجمعني بالسابقين، وإن كنت أعرف عنهم الكثير من خلال أحاديث رفاقهم في السجن والنضال.
عمر المختار الوافي، أحد هؤلاء المناضلين الذين لم يتزحزحوا عن مواقفهم وثوابتهم التي تعذبوا من أجلها، التقيت به عدة مرات، وهو من الأشخاص النادرين الذين تحبهم من أول لقاء، ببساطته ودماثته التي تكاد تحجب روحا مثقفة وفكرا عميقا، تبين لي أكثر حين قرأت كتاب مذكراته (بين الأمل والألم) الصادرعن منشورات الوسط. وبأسلوبه السلس وإحاطته بتفاصيل الكثير من الأحداث المهمة سد لي هذا الكتاب فراغات كثيرة في سرده لرواية نضال النخبة الليبية في مواجهة فاشية القذافي منذ السنوات الأولى، وتميزت هذه المذكرات، على غير عادة الكثير من كتب السيرة، بذكرها لقوائم طويلة من مناضلي وضحايا هذا النظام، كما تخللتها تحليلات ذكية لكثير من الوقائع وما يختفي خلفها وما غاياتها، وكأن عمر المختار لا يكتفي بسرد الماضي فقط أو توثيق تلك الوقائع، لكنه يشير، ويٌحذِّر من عودة الفاشية عبر رصده لبوادرها التي قد لا يلتفت لها أحد في البداية.

فهو يضع تجربته أمام الأجيال الجديدة محافظا على أكبر قدر من مصداقية السرد وموضوعية الأحكام، غير آسف على ما تعرض له هو ورفاقه من ألم وعذاب بقدر ما هو خائف على الأجيال الجديدة من عودة هذا الألم والعذاب عبر فاشية جديدة، تدغدغ في البداية وجدان الناس بشعاراتها البراقة حتى تحكم القبضة عليهم وتحيلهم قطعانا مذعورة من الخوف الذي تنشره الفاشية داخل المجتمع كإحدى تقنيات السيطرة والتحكم لديها. تحدَّثَ الوافي عن سني نشأته الأولى ودراسته وعمله كمعلم وما أحاط بها من أحداث تاريخية مفصلية، مثل الاستقلال وإنتاج النفط وتوحد ليبيا، وتَشكُّل بوادر حس نقدي لدى الطليعة تجاه تلك المرحلة وما أحاط بها من مد قومي ورغبة في التحرر، غير أن تلك الفترة رغم ما قاساه من خلالها من ضنك العيش والفقر والعوز شكلت فترة التقاط الأنفاس بين فاشيتين، إحداهما دفع ثمنها والده المختار، والثانية دفع ثمنها ابنه عمر.

حاولت أن أكتب حول هذه المذكرات اللافتة، التي تشكل جزءا مهما من تاريخ ليبيا الاجتماعي والسياسي الحديث، لكني وجدت نفسي منساقا للحديث عن الطريق الملتف الذي قطعته للتعرف على جيل قضى ربيع عمره في الزنازين في الوقت الذي كان من المفترض أن يكون عماد التأسيس للدولة الحديثة، ووجدت كل صفحة تحتاج إلى توقف وكتابة مقالة عنها، ولا إمكانية لعرض هذا الكتاب المكثف سوى بدعوة الجميع لقراءته، خصوصا من يراودهم إحساس بالحنين إلى الماضي، أو من مازالوا يطبلون للسفاح القذافي، أو من يرددون أن الليبيين يحتاجون إلى العصا، أو من يستغلون ضغط الفوضى التي أعقبت سقوط النظام للترويج لفكرة بالية كون الليبيين لا تناسبهم الديمقراطية، أو أولئك الذين مازالوا بعقلية القطيع يعتبرون الغذاء والأمن أهم شيء للإنسان.

ما يلزم ذكره، وما تؤكد عليه هذه المذكرات، أن القذافي لم يفعل تلك الجرائم بمفرده، لكن عبر تواطؤ شرائح كبيرة من الليبيين سلطها على ليبيين لم يستسغ وعيهم النقدي تجاه ما يحدث، أو كما يقول الكاتب محمد المفتي؛ رفيق المؤلف في محنته، في مقدمة الكتاب: "القذافي كان مجرد شخص فرد، تلاعب ونجح في خلق قوى لصيقة به وذات ولاء مطلق، وبأولئك سيطر على الدولة ومن ثم على الشعب. وللأسف بإمكان غيره أن يفعل ما فعل. ومن هنا تبرز أهمية سيادة القانون، وضرورة التمسك بالضوابط الدستورية وبحقوق الإنسان والتصدي مبكراً لأي نزوع استبدادي لدى أي حاكم، حتى لا نكرر المأساة".