Atwasat

راقد الريح... قنطرة

خديجة العمامي الخميس 21 فبراير 2019, 09:59 صباحا
خديجة العمامي

عندما كانت الجموع تهتف "الشعب يريد إسقاط النظام" اقترب أحد أصدقاء سي عاشور وقال له: شعب يحب التقليد فقط عن أي نظام يتحدثون؟ القذافي عصابة هو ومن معه. في ذاك الوقت تقبل سي عاشور ما قال الصديق. بعد أن بدأت بيادق الشر تجوب شوارع المدينة بالعديد من المسميات، وأصبح عليك أن تعانق أخاك أو ابنك قبل الخروج لأن اللقاء بينكما من الممكن أن يكون اللقاء الأخير. عاد سي عاشور وهو يردد مع نفسه "يا طالب اطلب الله. وقـول يا كريم المـعاطي. إلا العبد خليك منه. لا يـرفـعك لا يـواطي". عاد وأضاف خيبة الأمل إلى قلبه المكسور ليمارس سابق عمله في جمع الخبز وتحويله إلى علف للمواشي ومن ثمة بيعها. غير أن البلاد دخلت في أزمة الدقيق فلم يعد يحصل حتى على بقايا الخبز التى كانت تشكل له دخلا وكيفما يحلو له تسميتها "كل قطرة تبل الريق"؟.

لم يعد أمامه غيرسيارته التى التهمتها الشيخوخة فأصبحت هي وسي عاشور بنفس الحالة من التعثر وقلة الحيلة فوقف أمامها مبتسما ابتسامة المهزوم لأنه راهن على تغييرها بسيارة تيوتا فجعة آخر موديل ليقول "شينك مكتوب يا مكتوبي كتيبة ايهودي خطها شقعوبي" مرددا "هذه ليست ثورة راقد الريح.... راقد الريح قنطرة".

عاد عاشور لينهض باكرا كما كان فضيق الحال لا يهبك راحة البدن والبال "اسعَ يا عبدى وأنا نعينك" فالملاليم من مرتبه التقاعدي لا تكفي لسد رمقه ورمق أحفاده الذين ألقى بهم الزمن عليه بعد أن رحل والدهم وتركهم "جدر تحت قدر". سي عاشور مات ابنه أمامه ولم تكن لديه واسطة حتى يتحصل له على منحة علاج بالخارج، سي عاشور تمنى أن تكون الثورة سبباً في تغيير الحال إلى الأفضل.. غير أن الحال الذى تغير جلب أسوأ ما لديه.. فقد زرعت البوابات في مفاصل المدينة وأصبح الإنسان أرخص ما في المكان.. وسمفونية الدين والتدين وفرض الشريعة هى العباءة التى ارتداها البعض "دير لحة رانك شيخ".

اختلفت طرق الإذلال وأصبح سفهاء القوم هم الأبطال والتحق حفيده بإحدى الكتائب وسي عاشور كان غير راغب بأن يتحول هذا الحفيد الذى لا يزال في مرحلة الشرنقة إلى مقاتل.. ومن يقاتل؟ ومن أجل ماذا؟
انكمشت أمانيه حتي صارت لديه أمنية واحدة، هي أن يعيش في أمان إلى أن يطمئن على أحفاده، ففي كل طلعة للعمل يقول "ياواقي" انظر نروح وإلا معاد نروح.. "ياهارب من الغولة ياطايح في سلال القلوب" ويعود ويقول "ليلة قبرك ما تبات برا".

انتظر سي عاشور مع المنتظرين الجيش المتمرس في جبال الرجمة.. عله يكون الفرج ويعيد البلاد من أيدي الأوغاد.. عاد سي عاشور في المساء منهكاً ليجد حفيده في البيت يداعب سلاحه "كلاشن كوف" ويرتدي بزته التى يوحي لونها بأنها عسكرية أما تفاصيلها فهي تعود للأزياء الأفغانية وقد صار وجهه متشحا بالشعر حتى اختلطت الحواجب مع لحيته فنظر إليه وقال "كنك رايح كيف القنفود" شنو هل المنظر امشي حلق خلينا نعرفوك.. فرد عليه بلسان شيخه كما علمه هكذا أمرنا الإسلام.. فقال له سي عاشور "بالك عيب عليكم الِّي ديرو فيه" ليرد حفيده "استغفر ربك يا جدي وماتكفرش".. فرد الجد "أنت مؤمن بألف دينار نهاية كل شهر.. فلوس حرام"... سي عاشور يعرف أن حفيده يبحث عن المال كونه "لاخدمة ولا قدمة" والثورة التى صنعها الشباب ودُفِع ثمنها من دم الشباب.. اعتلاها "الطايح وقليل الربايح".

ولم يطل انتظار سي عاشور.. نزل الجيش وشباب المدينة غير أنها فرحة باهظة الثمن فأتباع الشيطان أبوا إلا أن يجعلوها أنهار دم ليقصفوا بأحقادهم كل مناطق المدينة ودخلت بنغازي في عقاب كونها طالبت بدولة.. ورفضت الأرباب.. والذئاب الذين اتخذوا من الدين مطية.
نزح سي عاشور من بيته المتواضع إلى أحد المدارس التي تحولت إلى مخيمات فسي عاشور لا يملك المال حتى يتحمل عبء الإيجار.. وكشر الكثير عن أنيابه فلم يكن المتطرفون هم فقط من نالوا الناس بالأذى فأصحاب العقارات بالغوا في رفع أسعار الإيجار واستغلال العائلات.

ارتفع سعر السلع والدولار وضاق على العباد الحال وأصبح سي عاشور "من زبيبه يسكر" ولم يعد يحتمل أحداً حتى شريكة حياته التى قاسمته السراء والضراء والتى كان دائما يتغزل فيها ويقول "عليك ببنات الأصول راهو الزمان يطول" وعليم الله أنها كانت بنت أصول.

قرر عاشور فى تلك الليلة أن "يربط" للمصرف من الليل لعل الحظ يصيبه ويصرف شيكه الذى أصبح رثاً من كثرة ما تعرض للرطوبة في جيب قميصه فمسيرة الوقوف اليومية لم تثمر فبينما هو واقف بعد انتظار طويل وإذا بسيدة تناديه فيلتفت ليجد نفسه أمام امرأة لم يتذكرها فحاول أن يتجاهلها غير أنها بادرته قائلة "كنك ياسي عاشور" هات شيكك توه نصرف لك.. هنا كان عليه أن يستخدم خبثه في ادعائه أنه عرفها فناولها الشيك وهو يقول لها "اجعل كل ثنيّة عندنا فيها ولية " فهذه المرة أصابه الحظ الذى طويلا ما تغزل فيه ولم يأته.

رجع إلى أسوار المدرسة التى لم يعرفها إلا بعد النزوح ليدخل الفصل الذي تحول إلى بيته هو وزوجته وأحفاده لتقول له زوجته يا عاشور قالو فيه حوار بالك ربي يهدي الحال.. فنظر في التلفاز وأطال النظر لينكس رأسه وكأنه زاد همه ويقول أي حوار "هى هنا وصياحها في الوادي" كيف لمن اعتلى طائرته من بريطانيا والقادم من أمريكا والذي بيته في باريس والقادم من اسطنبول.. أن يعلم بوضع المواطن بالله عليك "الشبعان يفت للجيعان فتاً بطي" هؤلاء لا علاقة لهم بليبيا هولاء أرباب مصالح.

استيقظ سي عاشور على هرج ومرج فخرج مسرعا "شنو فيه" حررو الليثي يا سي عاشور اختلطت دموع الفرح بدموع الحزن وأسرع مع المسرعين إلي بيته الذي طالما حلم بالعودة إليه عله يكون الساتر الأمين لما تبقى من سنوات العمر القصيرة.. غير أنها فرحة ما تمت "يعوض الله راحوا رجال يابال مال" فقد وجد بيته ساجدا على الأرض التى ارتوت بدماء الرجال.. عاد وفرحة النصر مغموسة بآلام التشرد القادم غير أنه كان يردد "لله ما أعطى ولله ما أخذ".. ليقول لزوجته: "حدثان لم أذق أمر منهم، يوم دفنت كبدي ويوم شفت حوشي على الوطا"... ورفع عينيه إلى السماء وردد ما يردده أغلب سكان المدينة "يفرج عليك الله يالعين يا مضايقة".

وبدون سابق تفكير قفز كلام صديقه أيام الثورة عن هتافات الشعب يريد إسقاط النظام فقرر الذهاب إليه حتى يسأله عما يسمي هذا الحال فلم يجده وعلم بأنه قتل نتيجة لرصاصة قناص لتؤكد له بأن زمن العصابات الحقيقي قد بدأ منذ أن اختلط الحق مع الباطل واعتلى الباطل مطالب شعب أراد الإصلاح والتغيير.