Atwasat

الإبداع لا يؤطر

محمد عقيلة العمامي الإثنين 04 فبراير 2019, 12:49 مساء
محمد عقيلة العمامي

بعث لي أحد الأصدقاء البرنامج الذي وضعته الثقافة الليبية كمشاركة منها في معرض القاهرة للكتاب، والحقيقة ابتهجت أن الثقافة اجتمعت في وفد واحد متجاهلة حالة التشتت المركبة بين أكثر من حكومة، ولذلك لم أعترض على عدم وجود اسمى في قائمة المشاركات الليبية من دون علمي، فذلك أمر اعتدنا عليه، وإن كان يربك المشارك عند العلم به متأخرًا، فالمشاركة تحتاج إلى إعداد لترتقي إلى حجم تمثيل بلاد الكاتب في تظاهرة أدبية كالتي تقام في معارض الكتاب العالمية.

كان موضوع المشاركة عن «أدب الشباب»، ولكن عند اطلاعي على الجدول الذي أعلنته إدارة معرض الكتاب في القاهرة، وجدت أنني لست في القائمة المعلنة؛ فحالة التخبط، ما زالت سمة من سمات مشاركتنا في المعارض كافة. ولكنني ارتحت بالفعل، لقناعتي الشخصية بأنه لا يوجد إبداع شباب، وآخر للشياب، وثالث للنساء، لأنه هناك إبداع يتوخى الإنسان وروحه، من خلال إبداع فكري يعانق الجميع، فالروح في الإبداع وليس في جنس المبدع. في تقديري أنه يوجد إبداع أدبي وكفى. فالمبدع يظل كذلك في المجال الذي ينتقيه. ولعل رأيي سيكون مخالفًا لما يقدمه المشاركون، وبالتالي سوف أظهر وكأنني أرفض أدب الشباب. وهذا في الواقع ليس حقيقة.

في مناسبة عن إبداع الشباب عقدت في مطلع هذا القرن بدار الكتب الوطنية. كان القاص حسام الثني أحد المشاركين وكان حينها بالفعل شابًا، وشارك بنص عنوانه (لأم الألف)، بان لي كمنعطف ذكي في القصة القصيرة الليبية، حينها وافقني صديقي الأستاذ محمد على الشويهدي، الذي كتب، في شبابه، المقالة الصحفية والريبورتاج، والقصة القصيرة، والأغنية الشعبية الليبية ليصل مرحلة نضج حقيقي بكتابة شكل جديد وهي القصة الروائية، مثلما رأينا في رائعته «السوق القبلي». لقد أبدى الشويهدي إعجابه الشديد بالقصة، مشاركًا معظم الحاضرين في إعجابهم بها، متفقًا معي أنه سيكون للثني شأن في هذا النوع من الإبداع.

بعد ذلك قرأت لحسام الثني عددًا من القصص في مجموعته «حضرة السيد ظلي»؛ العنوان لقصة محورية ذكية أخرى، تناولت فانتازيا حوارية ذكية. وكتبت الأديبة الفلسطينية عائدة النوباتي عن نصه (عفريت) تقول: «.. وكان هذا النص دعوة جملة من حسام الثني لقراءة نص تتغلغل به العامية كما العفريت بنعومة وخفة لا تزعجك ولا تبعدك عن النص بل أتت بذكاء، أو هي طريقة خاصة بالكاتب لتجعل للنص بعدًا إضافيًا».

حسام لم يعد أديبًا شابًا، فلقد بلع مرحلة النضج في كتاباته واختار لنفسه أسلوبًا جديدًا.. لا نستغرب أن تخلّقت من ورائه مدرسة جديدة توظف اللهجات العربية العامية، بالطبع قد نختلف معه ولكن إن ما يقوم به نوع من أنواع الإبداع خصوصًا وأنه ينتقي من العامية كلمات تعود في أصلها إلى العربية الكلاسيكية.

محمد النعّاس قاص شاب قرأت له قصة عنوانها «دم أزرق»، وهي واعدة تكاد تكون من جنس القصة الحكاية، بأسلوب جديد ولا نستطيع أبدًا ألاّ نسميها إبداع، ولكن هل سيستمر النعاس في أسلوبه الشبابي هذا أم أنه سيبتكر مسارات سرد أخرى، أو أنه سيجد نفسه في شكل آخر من أشكال الكتابة الإبداعية؟.

الكاتب محمد أحمد العنيزي، بدأ منذ الثمانيات بالقصة القصيرة، كان حينها شابًا، متخذًا من والده الذي يعد من أوائل الرواد الذين برعوا في القصة القصيرة قدوة له، ولكن يبدو أنه وجد نفسه في التوثيق، فهو يعمل باجتهاد واضح، وكأنه انتبه إلى أن بلادنا تحتاج بالفعل لمن يوثق ويبحث ويؤرخ فصدر له مؤخرًا كتاب عن المسرح، يكاد أن يكون شاملاً لتاريخ المسرح في بنغازي، خصوصًا وأنه سبق وأن نشرت له الهيئة العامة للثقافة كتابًا عن الحركة المسرحية في بنغازي من عام 1927 إلى 1962، ناهيك عن أعمال توثيقية متنوعة إلى جانب القصص القصيرة والمسرحيات.

وفي كتاب العنيزي الأخير، يتضح الجهد الذي بذله في توثيق العديد من الأحداث التي لا يعرفها الناس، لعل حكاية الفنان عمر الحريري ومرتباته وتعاضد وتعاون شباب المسرح الشعبي في توفيرها حدث كنت شخصيًا أحد شهوده! قرأت له عددًا من مقالات وأبحاث ووثائق عن يهود بنغازي وتأثيرهم في الفن الشعبي. وباختصار شديد وجد نفسه في هذا المجال، الذي نحتاجه كثيرًا.

فالواقع أنه لولا جهود الأستاذ سالم الكبتي الذي يعي جيدًا أهمية التوثيق، لضاع من تاريخنا الكثير، الأستاذ سالم الكبتي بدأ مسيرته الإبداعية مبكرًا، استهوته القصة المقالة، ثم المقالة الهادفة، ولكنه انتبه مبكرًا لأهمية التوثيق والتأريخ ولولاه لضاع الكثير من المستندات ولما وصلنا الكثير من أعمال كتابنا الكبار، ومراحل ومحاور تاريخنا المبكر. كان منذ البداية مهتمًا بكل ما يدور في الشأن الليبي من أدب على وجه الخصوص، واهتم بالتوثيق التاريخي السياسي المبكر، وبسببه تعرض لكثير من مضايقات اللجان الثورية في عهد القذافي.

ولقد اندهشت صباح ذات يوم، في تسعينيات القرن الماضي عندما جاءني بصورة من مقالة قصيرة كتبتها بصحيفة العمل سنة 1965 محاولاً معاضدة أستاذي الكاتب أبوبكر الهوني، في موقف ما. وكان وراء نشر خليفة الفاخري لأعماله كافة، تمامًا مثلما كان وراء صادق النيهوم. وسالم في الستينيات كان شابًا بل من أصغر الذين عاصروا وعملوا مع الكبار، لعله بدأ بخواطر مثله مثل كثيرين غير أنهم توقفوا عند الخواطر والصحافة، ولكن سالم الآن، أديب موثق ومؤرخ يشار إليه بالبنان، ويؤكد في كل مناسبة أنه يواصل ما قام به من سبقوه.

الخلاصة أنه لا يوجد أدب شباب وأدب كهول، إنما يوجد إبداع أدبي وكفى! سواء استقر حال الثقافة أو لم يستقر.