Atwasat

إحاطة غسان وحائط الميليشيات

سالم العوكلي الثلاثاء 29 يناير 2019, 12:45 مساء
سالم العوكلي

في إحاطته الأخيرة حول الأوضاع في ليبيا تطرق المبعوث الأممي الخاص، السيد: غسان سلامة، وإن بشكل موارب، إلى من يقفون بكل قواهم عقبة أمام أية بادرة لحل الأزمة: «المجموعات المسلحة لا تزال مسؤولة عن إنفاذ القانون بدلاً من القوات الحكومية النظامية»، ورغم وصفه لهذه المجموعات بـ"المخربين" إلا أن تعامل المندوبية والسفارات مع رعاتهم السياسيين؛ باعتبارهم يمثلون أجساما معترفا بها دوليا، مازال مستمرا ويطرح المزيد من الأسئلة حيال تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة الليبية.

كما يطالب المبعوث الأممي بتوجيه رسائل حازمة تجاه من يصفهم بالمخربين دون أن يحدد هوياتهم أو طبيعة هذه الرسائل:

«بدون تضافر الدعم من المجتمع الدولي، فإنّ المخربين سيعملون على تعطيل العملية السياسية وإلغاء أي تقدم يتم إحرازه. فإذا ما تم السماح بحدوث ذلك، فسوف يتراجع تقدم ليبيا لسنوات. إن دعمكم والرسائل الحازمة الواضحة تجاه المخربين أمر في غاية الأهمية».

خوفا من الوصول إلى هذه النتيجة المتوقعة، نشرت في موقع قناة 218 ، بتاريخ 28 يونيو 2017 ، رسالة موجهة للسيد غسان، قبل أن يباشر عمله في الملف الليبي، تطرقت فيها إلى: منطلقات أساسية، وتحديات، وآليات عملية، للتعامل مع طبيعة الأزمة وفق المنطلقات المذكورة التي تحاول أن تصف معطيات الأزمة الليبية بغض النظر عن التداول الإعلامي معها الذي يحرف الكثير من الحقائق ويقفز على عديد المعطيات التي تتحكم في المشهد.

من ضمن هذه التحديات انتشار السلاح والميليشيات (التي في الواقع هي مجرد عصابات مارقة ولا تمت بصلة لمفهوم الميليشيات المعروف كذراع عسكري لتنظيم سياسي يمكن التفاهم معه) والتي تم التعامل معها من قبل المبعوثين السابقين كأمر يفرض نفسه، أو في إطار سياسة الأمر الواقع، والالتباس الذي يحيط بهذه الجماعات؛ التي لا تُعرف لها هوية أو مطالب محددة أو مرجعيات، هو ما يجعلها خارج أتون الحوار الليبي الذي ترعاه مندوبية الأمم المتحدة، وما يجعل سلامة عاجزا عن ذكرها أو تعريفها في كل إحاطاته. وللأسف كل ما تمخض عنه اتفاق الصخيرات هو إيجاد جسمي رسمي معترف به دوليا ليكون قناة صرف مالي بين البنك المركزي وهذه المجموعات المسلحة التي تحمي هذا الجسم ووزاراته والبنك في غياب ما سمته الإحاطة "القوات الحكومية الرسمية".

ربما تأخر السيد غسان في إشارته المواربة التي وردت في إحاطته الأخيرة، وربما تأخر في شكره للحكماء والأعيان الذين استطاعوا أن ينقذوا طرابلس من حرب شرسة، مؤقتا على الأقل. إشارة ربما ستلفت نظره لأهمية البعد الاجتماعي في معالجة الأزمة، وقد أشرت في الكثير من المقالات إلى أهمية الالتفات للقوة الاجتماعية في ليبيا التي من الممكن أن يكون لها ضغط على أمراء الحرب وميليشياتهم باعتبار هذه القوة الاجتماعية هي المرجعية الوحيدة والملاذ النهائي لهم كأفراد. وللأسف تم القفز على هذا المعطى الأساسي سواء من المبادرات الخارجية التي تنظر إلى ليبيا بعين غربية، أو الداخلية التي كثيرا ما تهاجم بتبجح القبيلة في ليبيا، وكأن ثمة قوة أخرى بديلة، يمكن إدارتها غير هذه القوة التي لها خبرة طويلة في إدارة السلم الاجتماعي، وفض العديد من المنازعات، والقدرة على الضغط على أبنائها وإخراجهم من المحرقة مثلما حدث في حرب الهلال النفطي الأولى.

في رسالتي إلى السيد غسان السابق ذكرها، ركزت على أولوية المصالحة الاجتماعية: "رسم رؤية شاملة للشروع العملي في برنامج المصالحة الاجتماعية بإسهام القوى الاجتماعية ومجالس الأعيان والحكماء ولجان المصالحة، وتتطلب هذه الرؤية صياغة ميثاق وطني اجتماعي تنطلق بنوده من تجارب ليبية سابقة في مواثيق المصالحة برزت بعد خروج الفاشية الإيطالية وما تركته من مشاعر سلبية بين مكونات المجتمع التي انقسمت بين مقاوم ومتواطئ مع الاحتلال ، وكان لوجهاء القبائل وأعيان المدن دور مهم وحاسم في رأب هذه الصدوع وتوفير المناخ الملائم لعمل أول بعثة للأمم المتحدة بعد الاستقلال". وأستطيع أن أقول أن الظروف مازالت كما هي لأن أربعة عقود من حكم القذافي لم تتح لأية بدائل عن القوة الاجتماعية أن تنمو.

(وأقول الاجتماعية وليس الوطنية) باعتبار أن وصفها بالمصالحة الوطنية يحيلنا إلى تصور غير الواقعي على الأرض بكون الصراع بين الأطراف صراع أحزاب سياسية أو إثنيات أو طوائف أو جهات، بينما الذي يعقد الأزمة في الغرب والجنوب هو التوترات القبلية التي يستثمرها دعاة الصراع السياسي كما حدث دائما وعلى مر التاريخ، وأي خطة لإنجاز مصالحة اجتماعية بين هذه القبائل سيسحب البساط من تحت أقدام المخربين الذين يستغلون هذه الصدوع وينمون في حاضناتها، ولا أحد قادر على رأب الصدوع والمصالحة سوى أعيان وحكماء هذه المناطق.

من جانب آخر، عدم الاعتراف بمؤسسة القوات المسلحة التي انبثقت هي وقياداتها من قرار من أعلى سلطة تشريعية منتخبة ، أو الإشارة لها بشكل خجول كقوة عسكرية تمثل جهة، يشكل طعنا في الشرعية المنبثقة عن أعلى سلطة تشريعية منتخبة، ودعما مضمرا للميليشيات في الغرب الليبي. نعم تعتبر نواة إعادة هيكلة هذا الجيش وتواجده المُركّز في الشرق الليبي، لكن هذا لا يمنع أنه جيش ليبيا المعتمد من مجلس النواب، وأن الظروف الخارجة عن الإرادة هي التي جعلته يتشكل في الشرق مثلما تشكلت نواته الأصلية في مصر (الجيش السنوسي) إبان الاحتلال الفاشي لليبيا. وأهم هذه الظروف سيطرة تيار الإسلام السياسي على مراكز القرار في الغرب، وهو تيار عمل منذ تمكنه من السلطات التشريعية والتنفيذية في ليبيا، إبان أول انتخابات، على تفكيك المؤسسة العسكرية، وبناء ميليشيات خاصة بهذا التنظيم سماها "درع ليبيا" يقودها العديد من الإرهابيين السابقين العائدين من حروب أفغانستان والعراق والجزائر، بل عمل على تصفية هذه المؤسسة من نخبتها العسكرية وخبرائها من الضباط عبر سلسلة من الاغتيالات الممنهجة للمئات منهم، من أجل إتاحة الفضاء للميليشيات الخاصة كي تتحكم عبرها في القرارات السياسة وفي الانتخابات أو أي استحقاق قادم. وكل هذا لا يمنع أن أكثر من ثلثي كادر القوات المسلحة موجود في الغرب  والجنوب الليبييَن وسط إحساسها بالعجز وعدم القدرة على تنظيم نفسها، كما حدث في الشرق، نتيجة التوترات الموجودة هناك بين المدن أو بين القبائل، وبسبب هيمنة الإسلام السياسي بكل مجموعاته على مفاصل القرار في العاصمة مع أذرعته العسكرية المسيطرة فعلا على الأرض.

وجود مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية بكوادرها كاملة، ممتدة على جميع ربوع ليبيا، حقيقة، ولا تحتاج سوى إلى دعم الحوار بينها عبر تعاون بين البعثة وحكماء وأعيان هذه المناطق، لأن الرأي الذي يقول أن لا جيش في ليبيا غير حقيقي، وللأسف بنى عليه بعض المندوبين رؤاهم لحل الأزمة الليبية، وبناء عليه ذكرت في النقطة السادسة من المنطلقات في الرسالة إلى السيد غسان، قبل عام وثمانية أشهر، أن:"بناء وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تشكل ضرورة وأولوية لدى الرأي العام، ومعادوها قلة لكنهم يتمتعون بإمكانات مادية وتنظيمية عكس الأغلبية غير المنظمة، وفكرة ترويج أن ليبيا لم يكن فيها جيش وطني أو مؤسسات أمنية وقضائية، إبان النظام السابق، فكرة خاطئة روج لها المتضررون، خارجياً وداخلياً، من عودة هذه الأجهزة .

لذلك لا حل حيال هذه الميليشيات التي تعيث فسادا سوى أن تترجم "الرسائل الحازمة" إلى العين الحمراء يا غسان ولو تطلب الأمر تدخل الناتو، وربما دون حتى أن يباشر عملياته، فبمجرد اقتراب سفنه من الشواطئ الليبية وتحليق طائراته سيختبئ من وصفتهم بالمخربين تحت الأرض، أو يهربون إلى حماية قبائلهم، مثلما حدث حين إخراج البعثة الدبلوماسية الأمريكية من طرابلس إلى تونس تحت حماية طائرات أمريكية جعلت أمراء حرب معركة فجر ليبيا يمتنعون حتى عن إشعال عود ثقاب.