Atwasat

حكاية.. «الخط الأحمر»

صالح الحاراتي الأحد 20 يناير 2019, 10:25 صباحا
صالح الحاراتي

تعودنا سماع عبارات رنانة وفضفاضة تصب فى مصفوفة الاستبداد وثقافة المنع والحجر التي تناقض حرية التعبير والرأي والاعتقاد، ولعل أبرز مثال لذلك عبارة (فلان خط أحمر) أو أن ذلك الأمر «خط أحمر»، فيا ترى ما سر تلك العبارة؟

دعونا، بداية، نتناول اللون الأحمر في حد ذاته، فاللون الأحمر، كما يقول أهل العلم، له أطول طول موجي بين ألوان الطيف، وتلك الخاصية تمكننا من رؤيته من مكان بعيد، ولذلك كان استخدامه كعلامة تنبيه لتوقف السيارات من الخلف، بحيث يمكن للسائق رؤية علامة الوقوف تلك من مسافة بعيدة حتى في الأجواء الماطرة والغبار والضباب، وأيضًا صار بالإمكان رؤية الأحمر في إشارة المرور عن بعد بوضوح.

من زاوية أخرى «الخط الأحمر» من الجانب الاقتصادي مصطلح معناه تنبيه لزيادة التكلفة في الخدمات كالتأمين والتوظيف والحصول على الرعاية الصحية، وحتى التسوق. وفي البنوك كعلامة على خطورة أن الحساب نضب أو اقترب من النضوب.

من زاوية ثالثة نذكر أن للخط الأحمر دلالة أخرى. أي بمعنى خط الاتصال الساخن، حيث شكل فتح أول «هاتف أحمر»، أو خط الاتصال الساخن المباشر في 1963 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ثم انتشر الأمر بعد ذلك، حيث مُدَّت وسائل اتصال مباشرة ومشفرة بين قادة الدول لتسهيل الحوار وقت الأزمات، وقد تم بذلك تفادي الحرب النووية المدمرة، وحلول الانفراج الدولي بعد أزمة الصواريخ الروسية بكوبا، والفضل يرجع إلى التفاهمات المباشرة والسريعة من خلال الخط الهاتفي «الخط الأحمر» بين البيت الأبيض الأميركي بواشنطن والكرملين بموسكو.. واليوم أصبح تعبير «الخط الساخن»، أو «الهاتف الأحمر» يستخدم للإشارة إلى جميع أنواع الاتصالات المباشرة بين سلطات البلدان بشأن مسائل حساسة كالتعاون الأمني.

الخلاصة، أن مصطلح خط أحمر سياسيًّا وعسكريًٍّا يعني الحد النهائي للأمر والوصول إلى حد الخطر.

أما في مجتمعاتنا، فأينما تولِّ وجهك تجد «خطًّا أحمر»، ولكنه يستخدم لمآرب أخرى، وبالأساس كجزء من مصفوفة الاستبداد والسلوك الديكتاتوري الذى يحدد للإنسان مخاطر خروجه عما تريده السلطة القائمة الباغية.

«خط أحمر» يستخدمها المطبلون للحاكم بغرض عدم الاقتراب من نقده وإظهار عيوبه ونقائصه، في تعبير صريح عن تأليه الأشخاص وخلق أصنام بشرية تعبد، كما يستخدمها آخرون من أجل حظر الاقتراب ممن يمثل المؤسسة الدينية، بإضافة هالة القداسة على الأشخاص القياديين فيها.

الشاهد، أننا نستخدم المصطلح في غير موضعه وما هو كما ذكرت سابقًا إلا إحدى أبجديات مصفوفة الاستبداد وتكميم الأفواه والحجر على العقول من أجل القبول والإذعان والخضوع بالبقاء في القطيع، ومنعًا لحرية الاختلاف، رغم أن أولئك المنادين بالخط الأحمر للأسف لا يتوقفون في «الضوء الأحمر لإشارة المرور»!!. 

تحضرني هنا حكمة شعبية تقول إن «الزن على الودان أفعل من السحر» وتماهيًا مع تلك الحكمة فإن ما يحدث واقعًا هو إنتاج ثقافة استبدادية تتوالد من مصطلح «خط أحمر».. ثقافة ليست إلا مصادرة لحرية الرأي والتعبير والنقد والاختلاف، وهي عنوان للجمود والتخلف واﻻنغلاق والعبودية، بينما يفترض أن القانون والدستور والالتزام بما جاء فيهما من حقوق وواجبات وجب تطبيقها وفهمها وممارستها بما يصب في مصلحة الفرد والمجتمع هي خطنا الأحمر الذي يستحق أن نؤكد دائمًا أهميته. وأن التزامنا الكامل واحترامنا المطلق لحرمة النفس البشرية هو خطنا الأحمر، كما أن الالتزام بواجبنا تجاه مؤسسات الدولة بدفع فاتورة الكهرباء والضرائب وغيرهما هو خطنا الأحمر.. خطنا الأحمر، كما أعتقد هو ان تتوقف حريتك عند حدود حرية الآخرين وهو ألا تكذب وتدلس على الناس وأن تتوقف عن السخرية منهم.

الخط الأحمر ألا تقود سيارتك في الاتجاه المعاكس وتلتزم بكل قواعد المرور.. وحدتنا الوطنية خط أحمر.

كرامة الإنسان خط أحمر.. المال العام خط أحمر.. القضاء خط أحمر.. ولا خطوط حمراء لتقديس الأفراد مهما كانت مميزاتهم، وأعتقد أنه حان الوقت والظرف التاريخي لكي نغادر تلك المحطة. التي اكتوينا فيها بحكم وتأليه الفرد.