Atwasat

أمل مستحيل ومرض لا شفاء منه (رسالة إلى نبيه بري)

سالم الكبتي الأربعاء 16 يناير 2019, 02:10 مساء
سالم الكبتي

سأقول لك منذ البداية وسط العاصفة التي تجتاح بيروت هذه الأيام لتصلك في عين التينة، حيث تدار الأمور: إن أنصارك الموتورين من حقهم الغضب والاستياء والقلق الذي لم يهدأ عن مصير السيد موسى الصدر، ولكنني أقول لك أيضاً أيها السيد بري في ذات اللحظة وبمنتهى الهدوء، بأنه ليس من حقهم على الإطلاق إهانة علمنا الوطني وتمزيقه على الكورنيش وتحميل ليبيا الحالية مسؤولية غياب الإمام.

وأقول لك وسط العاصفة والثلوج وأكوام القمامة التي تعانيها بيروت والفراغ الحكومي والسياسي ومعاناة المواطن اليومية أن الأمر لا يحتاج إلى هذا الغضب ولكنه يحتاج حقاً إلى معالجة وتفاهم يقودان إلى النتيجة التي ينبغي أن يعرفها أنصارك وكل الليبيين أيضاً الذين يبدو أنهم سيظلون وحدهم يدفعون ثمن انفجار الألغام الموروثة عن القذافي وأيامه.

وأقول لك أيضاً إنك وأنصارك تخطئون تماماً عندما يتم التصرف بهذا الشكل وقد ينتهي الأمر إلى كارثة عظيمة في تعكير العلاقات بين الشعبين في ليبيا ولبنان . تخطئون أيها السيد بري بإلباسكم القضية لليبيا الحالية رغم مساوئها كأي بلد عربي آخر وتخطئون عندما يبلغ الحقد والتعصب الطائفي مداه على هذه الصورة وتخطئون في اللحظة نفسها عندما تستمرون في احتجاز مواطن ليبي شاء له القدر أن يكون أباه معمر القذافي فهو لا يعرف شيئاً عن القضية كما حدثت وهو صهركم وزوجته لبنانية وكان يدخل ويخرج إلى بيروت ويتمتع بالإقامة ولديه أملاك ومصالح وزوجته عارضة أزياء تتمتع بالمواطنة والجنسية اللبنانية. فلماذا تنتهزون الفرص في غير محلها. لماذا لم يقم أنصارك الممتلئين غضباً وحماقة بأي فعل في فترات ماضية. ثم يا سيادة الرئيس بري ما هذا التخليط في السياسة والقضايا ذات التفاصيل الحساسة عندما يتم احتجاز ابن مسؤول أو رئيس عربي والاعتداء عليه بجريرة ارتكبها والده إضافة إلى إلصاقها بالشعب الليبي. وإذا كان اعتبار هذا الأمر صحيحاً فإننا على امتداد المنطقة سنتحاج إلى مئات الأقفاص والسجون التي ستضم الكثير من الأنجال والمحاسيب بلا توقف. فهل لو كان هذا الابن السيئْ الحظ غير ليبي أو غير عربي بالمرة أو كان من طائفة بعينها يلحق به ما لحق بهانيبال. هل تستطيعون فعل ذلك مع غيره يا من لا تسمعني في عين التينة.

لقد تمت معالجة الخطأ بالخطأ. والمصيبة بالمصيبة. والاختطاف بالاختطاف. والحجز بالحجز. وذلك يقود إلى الكثير من المصائب وإلى المزيد من الكوارث.
ولا شك أن ليبيا مثل غيرها عانت وربما لا تزال من نفس الداء الذى لم يجد دواء بعد سواء بالعلاج أو بالكي. وصحيح مائة في المائة أنه لدينا أخطاء ورثناها من المرحلة السابقة وسنظل نكتوي بلظاها طويلاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ونحن حتى هذه اللحظة ولعلك تدرك هذا جيداً من موقعك في عين التينة فما زلنا لم نجتز مخاض الولادة التي أعشرت فأعسرت مثل الناقة. ويكفي ما عندنا وعندكم فهناك تشابه كبير بيننا رغم اختلاف التفاصيل والخطوط، وخير شاهد هو السيد غسان سلامة اللبناني الذي يحاول أن يعالج دماملنا وتقيحاتنا النازفة كل يوم.

وإذا كان العالم قد أسهم في الفوضى الحاصلة في بلادنا وظل ينظر إلينا بأننا لسنا دولة، وأننا نفتقر إلى الدستور والقانون، وأن الأمور تتأرجح بين قوى عديدة وأطراف مختلفة تلعب فيها دول ومصالح بأرجلها من وراء ستار فإن لبنان يكاد يحمل نفس الصورة التي لا نتمناها لأحد. فمن يحكم في لبنان: الطائفة أم الديمقراطية. العائلات المتنفذة أم المواطن في البسطا التحتا أو الفوقا. الحزب أم البرلمان . عين التينة أم بعبدا . المجلس الأعلى أم الدار. الضاحية أم بكركي. من يملك القرار في تصريف الأعمال. من يواجه الجدار الإسرائيلي وأطماع إيران المستمرة للدخول أو الدخول بالفعل إلى شوارع المنطقة.

من يحكم في لبنان أيها السيد بري حتى تطالبونا بتسوية قضية الإمام. كيف تستقيم المعالجة وسط الفوضى هنا وهناك؟

وحقيقة الأمر -وأرجو أن تسمع صوتي في عين التينة من بنغازي- أن الاستفزاز المستمر والعجيب من طرفك وطرف أنصارك وحدهم لليبيين لم يتوقف. أخذ عدة نواح واتجاهات معبأة بالكراهية والحقد والعنف وهي أشياء فيما نعلم لم تكن ضمن رسالة السيد الصدر التي أعلنها في ميثاق تأسيس حركة المحرومين العام 1974.

لقد نادى كثيراً بالتسامح ولهذا فإننا كمواطنين ليبيين أول الحريصين كل الحرص على إجلاء الحقيقة وإظهارها ولكن يا من تسمعني في عين التينة ليس بهذا الشكل.
إن ليبيا ولبنان والعلاقة الملتبسة بينهما لهذا السبب يعانيان من سوء الفهم لبعضهما فلماذا يتم التهويل المبالغ فيه، ولماذا يدفع الليبيون الذين عانوا كثيراً الثمن وحدهم وتشوه صورتهم وصورة بلادهم ويمزق علمهم. إن بلادنا أيها السيد بري -أقول لك- أخطأت في ضرورة تمسكها على حضور القمة في بيروت. وهى قمة فاشلة أنبأت عنها إرهاصاتها. فماذا تجدي هذه القمم التي فاقت الأربعين ما بين عادية وطارئة. ماذا قدمت للمواطن العربي في لبنان وليبيا والوطن العربي كله سوى المزيد من الانقسامات والصراعات والمؤامرات والخلافات والتخلف؟ فهل نتحدث في التاريخ؟

لقد ظل لبنان على مدى فترات مضت محطة أنظار المنطقة. مقهاها ومطبعتها وجريدتها الصباحية وسهراتها وأغانيها وقصيدتها وكتابها ومكاناً لفسقها وفجورها وجواسيسها ومخابراتها وملاذاً لمقامريها وظل في جانب كبير عنواناً للحرية في التعبير والتفكير قبل أن يناله الانحراف بالمعنى العلمي. ولقد شهد الكثير من الغارات والأعمال المجيدة فلماذا يظل ساكتاً حتى الآن رغم مرور السنوات على موضوعات لا تقل أهمية عن قضية الإمام. لماذا يسكت على ما جرى فوق أرضه. لماذا يسكت على اغتيال كامل مروة (الشيعي) رئيس تحرير جريدة الحياة وسط مكتبه العام 1966 ولبنان يعرف من وراء ذلك. لماذا يسكت على اختفاء فرج الله الحلو ورفيقيه من الشيوعيين اللبنانيين وتذويبهم بحامض الأسيد كما تردد. لماذا يسكت على تهريب عبدالحميد السراج رجل المخابرات من تهريبه في المزة في دمشق إلى بيروت ثم ترحيله بملابس الدرك اللبناني إلى القاهرة العام 1962 بموافقة اللواء فؤاد شهاب رئيس الجمهورية كما أكد سامي شرف سكرتير عبدالناصر في مذكراته والذي كان شريكاً في العملية مع رجال المكتب الثاني اللبناني؟

ثم إن لدينا نحن الليبيين نموذجاً من ذلك لعل العالم لم يسمع به حتى الآن وربما أنت شخصياً. مواطن ليبي إعلامي ومصور صحفي اسمه أبوبكر الشريف اختطف في ظروف غامضة ولا يزال مصيره مجهولاً حتى الآن إبان حربكم الأهلية العام 1976 وقد ذهب لمتابعة الأحداث وبموافقة رسمية من لبنان. فأين هذا الرجل الآن. أليس من حق أسرته وأبنائه الذين تركهم قصراً وحق وطنه والليبيين جميعاً الوقوف على مصيره الغامض. وإذا كان الإمام قيمة كبيرة روحية ووطنية ونضالية نحترمها ونقدرها فإننا بالقدر نفسه نعتز بهذا المصور الصحفي البسيط الذى اختطف وضاع في بيروت... وهل نتحدث عن المزيد من التاريخ؟

لقد ارتبط لبنان وليبيا بحضارة البحر المتوسط. حضر الفينيقيون من صور إلى ليبيا وأسسوا مدناً جميلة ونشروا حضارة باقية حتى اليوم. وولد عندنا كركلا ابن سبتيموس سيفروس الليبي الذي فتح روما، وفي لبنان فرقة فنية تحمل اسمه دون أن تعرف. إنها حضارة الحرف والفن والبحر التي أساء إليها القذافي وتسيء إليها الميليشيات والكراهية والخطف وتمزيق الأعلام وسط العاصفة.

وقبل أن يولد السيد الصدر في قم بإيران بعشر سنوات كان الليبي بشير السعداوي أول قائم مقام مسلم يعين في جزين بجبل لبنان ويسهم في إدارة الشؤون هناك. وقبل مولدك يا سيادة الرئيس بري في 1938 كان الأمير شكيب أرسلان جد البيك وليد جنبلاط لوالدته عندنا يتابع أخبار المقاومة ويكتب عنا ويدافع عن قضيتنا وظل رفيقاً للرجل النبيل أحمد الشريف السنوسي ويرد أكاذيب الطليان عن الليبيين. وكان تلك الأيام ثمة مثقف ليبي اسمه منير برشان على علاقة أدبية رفيعة ومراسلات طويلة مع مي زيادة. وأن نازك المطربة أصولها ليبية وصلت عائلتها إلى لبنان قبل الغزو الإيطالي. وأن الليبي علي خليفة الزائدي كان من مؤسسي الكشفية اللبنانية وله تلاميذه. وأمثلة كثيرة ينبغي النظر إليها ووضعها في الحسبان حتى لا يضيع الشعبان في الظنون والشكوك والتحاقد.

ثم أليست أصول الإمام الصدر إيرانية، فقد ولد هناك ووصل إلى لبنان العام 1960 ونال الجنسية اللبنانية العام 1968 واحتفظ بجنسيته الإيرانية. فلماذا بلاده الأصلية تلتزم الصمت يا سيادة السيد بري منذ غيابه مع رفيقيه العام 1978. هل ثمة جهات محلية وإقليمية وأطراف كبيرة تلتزم الصمت ولديها مصلحة في ذلك. إن الليبيين لا يعلمون شيئاً عما حدث بالتفصيل ويهمهم الوقوف على الحقيقة، وقد ترددت الروايات واختلفت: إيطاليا. الاختفاء. الاحتجاز في مكان ما. القتل. الرمي في البحر. لدرجة تقارب أساطير السندباد.

إن ليبيا ليست معمر القذافي. ولبنان ليس موسى الصدر أو أنت وطائفتك فقط واستغلال هذه القضية كلما سنحت الفرصة بهذه الصورة وهذا الثأر الجاهلي يسيء إلى لبنان وحضارته وروحه. إنه لا يعالج طائفياً ولكنه على المستوى السياسي بالتحاور والتفاهم وإيجاد الحلول والمخرج الذى يرضي كل الأطراف لبنانية أو ليبية.
باختصار: أطلقوا سراح هانيبال. وأطلقوا سراح القضية من أسر الطائفية والتخلف.

واجعلوا من لبنان وليبيا صورة زاهية للتسامح والحرية. يكفى ما هما فيه من بلايا ومصائب أيها السيد بري. نريد أملاً يلوح في الظلام رغم السفهاء وتمزيق الأعلام!!