Atwasat

شرفاء وخنافس

محمد عقيلة العمامي الثلاثاء 15 يناير 2019, 10:50 صباحا
محمد عقيلة العمامي

خلال شهر يوليو 1970أمضيت رفقة الأستاذ أحمد الماقني ليالي في حي اسمه (Green Village) بمدينة نيويورك. كانت دوريات الشرطة تتجنبه من بعد غروب الشمس، مثلما عرفنا ذات ليلة، من دورية بمجرد أن خرجنا من الحي: "ماذا تفعلون داخل هذا المكان الموبوء، نحن لا ندخله من بعد غروب الشمس!" كذلك قال، الشرطي المندهش، والمسلح بهراوة وغدارة!.

كنا ضمن وفد يمثل ليبيا بمؤتمر الشباب العالمي الذي عقد بإشراف الأمم المتحدة في مبناها الفخم وحضره  شباب من دول العالم كافة، كانت ظاهرة (الهيبز) قد بدأت تتشكل كسلوك شبابي عالمي، ولهذا كتبت عنها عددا من مقالات نُشرت حينها بمجلة (جيل ورسالة) التي كانت الحركة الكشفية في بنغازي قد أسستها، وأحسنت إدارتها. لم أكن على علم بأن ذلك الحي كان ملاذا لأولئك الذين اتخذوا أسلوبا لحياة غير مألوفة يدعون إلى التفكير الحر المطلق، إنهم البوهيميون؛ (Bohemian ) الذين كانوا مأخوذين بفكر وأدب وفن غير مقيد بأنماط محددة.

ولماذا أقول لكم معلومة لا أعتقد أن هناك من لا يعرف أن البوهيمي،  وصف لشخصية هي أقرب للمتشرد؟ السبب أنني قرأت معلومة تقول: "أن ( لويس مونوز مارين)  حكم ( بورتوريكو) لمدة 16 سنة ( من 1949 إلى 1965). ومن بعد أن سلم السلطة طواعية إلى من خلفه، عهد إلى مكتب محاسب قانوني أن يفحص أمواله وأملاكه كافة، وكانت النتيجة ان مبلغ 8000 دولار هو فقط ما زاد عما كان يملكه منذ سنة 1949.

أثناء حكمه كان يتقاضى مرتبا قدره 10600دولار (سنويا!)، وكان قد وافق على قانون لرفع مرتب خلفه إلى 25 ألف دولار، رافضا في الوقت نفسه تطبيق هذه الزيادة على راتبه. وانتخب بعد أن ترك كرسي الرئاسة كعضو في مجلس الشيوخ بمرتب قدره 500 دولار فقط.

وبالبحث عن سيرة هذا النموذج النادر من الرجال، تبين أن والده كان شاعرا وناشرا وأيضا سياسيا وتولى وزارة الدولة ثم رئيسا للوزراء، وترك ابنه (لويس مونوز مارين) وعمرة 18 عاما، الذي بان اهتمامه بالشعر والأدب، وفضّل الحياة البوهيمية، في الحي الذي أشرت إليه، والذي ترفض دوريات بوليس نيو يورك التجول فيه ما إن يحل الظلام. خلال تلك الفترة نشر كتابا أسماه بقع، أو أو (لطخ) او (بصمات) وهو عبارة عن مجموعة قصصية ومسرحية من فصل واحد. ولما التقي برئيس الحزب الاشتراكي (سانتياغو إغليسياس بانتين) ارتبطا بصداقة وبدأت مسيرته السياسية معه، وهي التي أوصلته إلى حاكم البلاد.

مثل هذه الشخصيات، ما إن تصادفك في قراءاتك، يأخذك خيالك إلى هذا الكم الهائل من السياسيين الذين انتشروا في بلادنا مع ربيع (فرار) والنوار، و (القعمول) أيضا. لا ينكر أحد أن كثيرين من السياسيين حاولوا أن يفعلوا شيئا ولكنهم عجزوا، وسط هذا الكم الهائل من العنف والمؤامرات، كثيرون هم الذين فضلوا الصمت والانزواء، فيما استمر كم هائل من المتربصين والمتسلقين والمرتزقة واللصوص، يرون أن الخدمة الحقيقية (على الرأس) في ممارسة السياسية، ولا أستغرب أن أحدا منهم يصل درجة كالتي وصلها (لويس مونوز مارين) وسيتعامل، أيضا، مع الـ  8000 دولار ولكنه هي فقط التي يتركها في خزينة البلاد، ويتبخر هو والبنك المركزي كله!.  

كثير من ساسة ليبيين- فبراريين- اختفوا، والله وحده يعلم ماذا فعلوا؟ ولكن الناس يعرفون ويتذكرون جيدا ما فعله عدد من أعضاء مجلس النواب الشرفاء مثلا، ويذكرون أيضا من رقص في المؤتمر الوطني العام، ومن ترك (التل) العالي وانحدر نحو ساحة الخدمة على الرأس!
 والتاريخ هو سجل الخلود وسجل العار، أيضا! ولو لم تكن السجلات المشرفة باقية، ما عرفت شيئا عن (لويس)، وما رأيت تمثاله، وسجل حياته المشرف. وما لم تكن سجلات العار باقية أيضا لما وصلتنا أخبار الهكسوس والتتار الذين لم يتركوا أثرا على الإطلاق، وظل أحمد عرابي، الذي خلده التاريخ وظل اسمه رمزا وطنيا، فيما لا يعرف أحد (خنفس باشا) الذي خانه وتسبب في هزيمته. فكم من خنافس ستختفي من حياتنا ولا يبقى سوى الشرفاء أمثال (لويس مونوز مارين).