Atwasat

الثعلب.. «المكار»!

حمدي الحسيني 5 أيام
حمدي الحسيني

في المرحلة الابتدائية كان مقرراً علينا قصة لطيفة تحمل عنوان، الثعلب المكار.

تقول القصة، إن فلاحاً بسيطاً كان يعيش في مزرعة صغيرة تضم بعض الحيوانات، منها حمار وأرنب وأحد القرود، وكان هناك ثعلب يتربص بالفلاح والحيوانات.

في أحد الأيام، تملك الجوع من الثعلب فذهب إلى الحظيرة، وتحدث إلى الحمار والأرنب، وقال لهما يا صديقيَّ أنا أخشى عليكما من استغلال هذا الفلاح، ولدي «خطة» إذا ما نفذتماها معي، سوف نتخلص جميعاً من هذا الرجل الشرير!

وقال لهما الثعلب إن صاحب هذا البستان لا يكف عن التجول بالحمار ليلاً ونهاراً دون رحمة، وإذا جاع سوف يذبح الأرنب المسكين، أما أنا فكلما رآني طاردني، وطرح الثعلب عليهما خطته التي تقوم على أن يباغت الأرنب الفلاح بالقفز في وجهه بمجرد عودته متعباً بعد الغروب، فيختل توازنه، ثم يلاقيه الحمار برفسة قوية تلقيه أرضاً، ثم أنهشه بأنيابي القوية.

في هذا الوقت كان القرد يقبع فوق شجرة، واستمع إلى كل ما قالوه، فذهب وأخبر صاحب البستان، فقيد الفلاح الحمار بقوة، ولما رأى الثعلب ما حدث، انقض فجأة على الأرنب المسكين فأكله وخان «العهد»، وركض بعيداً عن البستان!

- قال لهما إن صاحب هذا البستان لا يكف عن التجول بالحمار ليلاً ونهاراً دون رحمة، وإذا جاع سوف يذبح الأرنب المسكين

تذكرت هذه القصة الطريفة وأنا أتابع خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الجامعة الأميركية بالقاهرة قبل أيام!

فمندوب ترامب الذي زار أكثر من تسع دول بالمنطقة، لخص رسالته في قضية واحدة هي حشد تلك الدول لدعم خطته لمحاصرة إيران، التي ذكرها «25 مرة» في الخطبة، دون أن يتطرق لحقوق الفلسطينيين المشروعة.

وبدا وكأن هموم هذه المنطقة المنكوبة لن ينهيها سوى إشعال فتنة جديدة بين الشيعة والسنة، وأنه لا خلاص ولا ديمقراطية ولا سلام بوجود إيران كقوة معتبرة في المنطقة!

وامتدح بومبيو نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وتتويج لاعب إسرائيلي في عاصمة خليجية، وزيارة الإرهابي نتانياهو إلى عاصمة خليجية أخرى، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات هي التي ستنقل أمة الإسلام من عصر الحروب والدماء إلى عصر جديد!

واستنكر مايك بومبيو كل رؤى فريق عمل الرئيس السابق بارك أوباما التي كانت تقوم على أساس، حل الدولتين، ونقل الشعوب العربية من الصراع المرير بين المتشددين والحكومات المستبدة إلى ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والتداول السلمي للسلطة، بل اعتبر توجهات أوباما، لم تكن سوى شر مستطير، لم يجلب سوى الدمار والخراب على شعوب المنطقة!؟

هذا المنطق المقلوب، كان الأكثر استفزازاً في خطة، أو «فتنة»، وزير الخارجية الأميركي الذي جاء يبشر بها المنطقة، معتبراً أن الرئيس ترامب صاحب رسالة سلام بين المسلمين!

- أتصور أن حلف بومبيو «المزعوم»، لا يختلف كثيراً عن خطة ذلك الثعلب «المكار» الذي لا يهمه سوى مصالحه ومصلحة الكيان الصهيوني

هنا.. لا يسعني سوى أن أُذّكر الوزير بومبيو ببعض سلوكيات وقرارات ترامب المعادية للمسلمين، (معتدلين ومتطرفين) على حد سواء، بعد أن تعهد بعدم دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، كما حظر دخول الأراضي الأميركية بالفعل على مواطني 7 دول مسلمة، وتشاجر علناً مع والدي عسكري أميركي مسلم قُتل في العراق، ودعا إلى تأسيس قاعدة بيانات للمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة.

لن أخوض كثيراً في رصد أحاديثه العنصرية المعادية للعرب والمسلمين، فهي متوافرة بكثافة على (يوتيوب) لمن يرغب في متابعتها.

لقد أراد بومبيو أن يقنع القادة العرب من خلال جولته «المريبة» بأن إيران وليست إسرائيل هي «الخطر الأكبر» الذي يهدد المنطقة ويقوض فرص السلام في العالم، وأن «غيرة» ترامب على المسلمين دفعته إلى الدعوة إلى إقامة حلف يضم مصر والأردن ودول الخليج للاصطفاف في مواجهة الخطر الإيراني المحتمل!

«فتنة»، مايك بومبيو، لا تعني تبرئة نظام الملالي في إيران من أن خططهم وأطماعهم بل واحتكارهم الدائم للعرب كانت سبباً في إضعاف دول وشعوب المنطقة، بل ومسؤوليتهم عن أي حروب طائفية محتملة في المستقبل!

ما العمل؟.. وما هو المطلوب إذن؟

في تقديري أن الكرة الآن في الملعب الإيراني، وعلى مثقفيها وقادتها المعتدلين أن يتحركوا فوراً بمبادرات تنهي الخلافات مع الدول العربية والإسلامية، ويقدموا تنازلات «صعبة»، في سبيل سحب البساط من تحت أقدام بومبيو وترامب ونتانياهو وغيرهم ممن يكرهون العرب والمسلمين، مهما كانت طائفتهم.

الخطر يشمل الجميع ولن يحل مشاكلنا سوى الجلوس على الطاولة، وفتح حوار صريح ومثمر بعيداً عن روح الاستعلاء والطائفية والكراهية!

يا عقلاء الشيعة تحركوا، وافتحوا أيديكم للسلام والتعاون، فالعالم الإسلامي لا يحتمل مزيداً من الانقسام ولا المنطقة تحتمل أي حروب جديدة، واستيقظوا قبل فوات الأوان..

والذي يجب أن يعلمه الجميع في المنطقة أن دعوة مايك بومبيو ببناء حلف سني ضد الشيعة، ليست سوى حق يراد به باطل، يهدف في جوهره إلى تقسيم المنطقة لكيانات طائفية على مقاس الكيان الصهيوني.

وكانت نقطة البدء هي أن قدم هو ورئيسه «المحاصر» في البيت الأبيض أكبر «هدية»، في تاريخ اليهود، بإيقاظ «الفتنة» بين المسلمين (سنة وشيعة)، فلا وزن للاثنين لديهما!

وأخيراً.. أتصور أن حلف بومبيو «المزعوم»، لا يختلف كثيراً عن خطة ذلك الثعلب «المكار» الذي لا يهمه سوى مصالحه ومصلحة الكيان الصهيوني الذي هو السبب الأساسي في انتشار الفوضى والإرهاب ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في العالم أجمع!