Atwasat

الضلع الأعوج للوطن

آمال العبيدي السبت 05 يناير 2019, 02:52 مساء
آمال العبيدي

ما حَدَث في بنغازي فيما عُرِفَ بحادثة "مقهى كازا"، واقتحام أحد الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية بالحكومة المؤقتة، "شرطة الآداب" لتجمع فتيات في المقهـى وهو فضاء عام، يُشَكل رصيداً إضافياً لانتهاكات حقوق المرأة التي لم تَخرج عن صورة "الضلع الأعوج للوطن"، فما حدث هو استمرار لعمل ممنهج بدأ منذُ أن وُضِعَ "السياج الحديدي" للفصل بين النساء والرجال في ساحة المحكمة "ساحة الحرية" في فبراير 2011، واستمر سلب مكتسبات وحقوق المرأة التي ربطها البعض بالمرحلة الدكتاتورية، والتي رأى فيها البعض أيضاً أنها تتنافى مع قيم المجتمع الليبي وعاداته وتقاليده، وتناسى هؤلاء أن هذه الاستحقاقات التي تحصلت عليها المرأة، هي نتيجة نضال مستمر للمطالبة بهذه الحقوق عبر الزمن، مَهدت له رائدات نهضة المرأة في ليبيا.

ثمة مواقف عملية ومؤشرات قد شكلت جوانب مهمة في تحديد النظرة للمرأة وطبيعة دورها في ليبيا، خاصة ما يتعلق منها بمحاولات إقصائها، وسلب بعض المكتسبات التي تحصلت عليها عبر الزمن. من تلك المواقف أذكر بعض الأمثلة منها؛ في الخطاب الذي ألقاه السيد مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي بمناسبة التحرير يوم 23 أكتوبر 2011، فاجأ الجميع بعدم حديثه عن استحقاقات مرحلة ما بعد التحرير، وبناء ليبيا، وأعلن في أول  خطاب تأسيسي لاستحقاقات الدولة الليبية بعد القضاء على نظام القذافي، أنه يسقط حق المرأة في التوقيع على وثيقة تسمح لزوجها الزواج من أخرى. مضيفاً أنه سيعمل على استصدار قانون لا يمنع الرجل من تعدد الزوجات. ظهر وفقاً لذلك في فبراير 2013 حكم الدائرة الدستورية العليا بالمحكمة العليا التي قضت بعدم دستورية النص الوارد في قانون الأحوال الشخصية رقم 10 لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما والذي يشترط "موافقة كتابية من الزوجة، أو صدور إذن من المحكمة".

طرد مقدمة برنامج الحفل الرسمي لتسليم السلطة من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، يوم 8 أغسطس 2012 بطرابلس، حيث طَلب السيد مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس من مقدمة البرنامج احترام القيم الإسلامية ووضع غطاء على رأسها أو تخرج، ففضَلت المقدمة أن تنسحب من تقديم برنامج الحَفل، واستُبدل بها رجل ليواصل تقديم البرنامج.

تم تناقل بعض تصريحات للشيخ مفتي الديار الليبية الدكتور الصادق الغرياني منذ عام 2012، تؤكد على سَعي دار الإفتاء لاستصدار قرار بمنع التعليم المختلط وفصل الذكور عن الإناث في مراحل التعليم المختلفة. علماً بأن التعليم الجامعي في ليبيا مختلط، إضافة إلى مرحلة التعليم الأساسي. وتجدر الإشارة إلى أن مرحلة التعليم الأساسي خَضعت لسياسة التأنيث منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. نتج عن هذه الدعوة هجوم بعض الأشخاص المنتمين لبعض التيارات المتشددة على مكتب وزير التعليم في الحكومة الانتقالية المؤقتة الأولى بطرابلس، مطالبين بفصل الذكور عن الإناث، وإلغاء تأنيث مرحلة التعليم الأساسي. كما تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من السياسات الإقصائية بدأ تطبيقها فعلياً دون قرارات، وتم فرض سلطة الأمر الواقع، ومُررت دون أية مواجهة مجتمعية عامة أو أية احتجاجات من النساء أنفسهن.

ثمة مخاوف أخرى تتعلق بمنع المرأة من الاستمرار في مجال القضاء، ويشار إلى أن بعضا من أعضاء المؤتمر الوطني العام حينذاك نُقل عنهم معارضتهم لتقلد المرأة وظيفة قاضٍ، والبعض اتهم القاضيات العاملات بأنهن "قاضيات معمر القذافي". وبصفة عامة لم يصدر قرار رسمي بذلك، ونتوجس خيفة مع كل حركة قضائية من صدور قرار قد يمنع النساء من ممارسة هذه المهنة.

وتمكن الإشارة إلى كثير من الانتهاكات المسكوت عنها التي تمارس بحق المرأة كل يوم. منها تكرر حوادث القتل، والاغتيالات، والخطف، والإهانة للمرأة وانتهاك آدميتها، ولعل أبرز تلك الحالات قتل المحامية ونائبة رئيس هيئة الحوار الوطني السيدة سلوى بوقعيقيص على يد مسلحين قاموا باقتحام منزلها في بنغازي يوم 25 يونيو 2014، واختطاف زوجها. كذلك عملية اغتيال عضو الموتمر الوطني العام عن مدينة درنة السيدة فريحة البركاوي في مدينة درنة، وقتل الناشطة انتصار الحصائري في مدينة طرابلس، وغيرها من الحالات التي قُيد أغلبها ضد مجهول. إضافة إلى ذلك محاولات الخطف والتهديد التي طالت بعض الإعلاميات والناشطات في المجتمع المدني، والأكاديميات، والقاضيات، والمحاميات، وغيرهن. نتج عن ذلك نزوحهن ومغادرتهن البلاد. كما تمكن الإشارة إلى صدور قرار يقضي بمنع النساء في المنطقة الشرقية حتى سن الستين من السفر بدون مَحرم، وتم تعديل القرار بعد الحملة التي استهدفته من قبل نشطاء المجتمع المدني وداعمي حقوق المرأة ليعدل بعد ذلك ليستهدف منع الجنسين دون سن الخامسة والأربعين من السفر دون الحصول على تصريح أمني.

ومع تكرار تلك الحوادث تتعاظم مخاوف النساء في ليبيا خاصة الناشطات منهن، من تزايد وتيرة الإقصاء والتهميش والتخوف من سلب كثير من الاستحقاقات والمكاسب التي تحصلت عليها المرأة عبر الزمن نتيجة لعمل تراكمي دؤوب للمطالبة بتلك الحقوق. كما تمكن ملاحظة ازدياد مخاوف المرأة من الإقصاء والتهميش في مختلف المجالات، مع تغول القبلية والشللية والمحاصصة المناطقية التي غالباً لا يكون للمرأة حضور فيها، وإن تمت دعوتها للمشاركة أو محاولة تمكينها، وغالباً ما يكون ذلك لتجميل صورة أي قرار يصدر لإقناع الأطراف الخارجية بأن "الضلع الأعوج للوطن" هو شريك في الوطن، ولكن دون مشاركة حقيقية وفاعلة.