Atwasat

السياسة الضالة

امحمد هويسة الخميس 03 يناير 2019, 07:22 مساء
امحمد هويسة

يعبر عن السياسة بأنها المحرك الرئيس في تنظيم العلاقات بين الدول، وتبرز أهميتها في كونها أساس الاستقرار ورسم مستقبل الشعوب، والسياسة بمفهومها العام هي حزمة الإجراءات والأساليب الخاصة باتخاذ القرارات من أجل تنظيم الحياة في أي مجتمع، بحيث تخلق آليات التوافق بين كافة التوجهات الإنسانية، كذلك آليات توزيع الموارد، والنفوذ... ومايهمنا في هذه السطور هو دور السياسة في ليبيا وأهميتها في صناعة الأحداث بمراحلها المختلفة، ومسيرتها بين التقدم والنكوص منذ إعلان الاستقلال وحتى الآن.

لم يكن المناخ السياسي في ليبيا على مر تاريخها الحديث يتسم بالمثالية، ولم يحالفه التوفيق إلا في فترة وجيزة إبان نشأة المملكة الليبية المتحدة في خمسينيات القرن الماضي وماحققته مختلف حكوماتها على أرض الواقع من إنجازات هامة، مع بروز بعض الشخصيات السياسية التي تركت بصمات واضحة في ميدان العمل السياسي على المستوى المحلي أوالدولي، منهم على سبيل المثال: محي الدين فكيني ـ محمود المنتصر ـ عبد الحميد البكوش.. وغيرهم. والشعب الليبي عبر تاريخه السياسي لم يمارس الديمقراطية وينعم بالحرية بمعناها الحقيقي إلا بعد قيام ثورة 17 فبراير على الرغم من التحديات والانتكاسات التي رافقتها. والذاكرة السياسية الليبية غنية بالأحداث التي أثرت تأثيراً مباشراً في ضبط التوازن بين القوى السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ولم تكن الأزمات السياسية بمنأى عن هذه الأحداث فهي سمة متوارثة لعقود طويلة اختلفت باختلاف نظام الحكم، نذكر بعضاً منها استدلالاً.. الأزمة الدستورية الشهيرة سنة 1954م والتي حُسمت بحكم المحكمة الاتحادية العليا آنذاك، مروراً بالأزمة السياسية المعقدة التي أنتجها معمر القذافي بعد انقلاب 1969م بتعطيل الدستور وإلغاء كافة التشريعات المنظمة للحياة السياسية والبرلمانية، واختزال كافة السلطات في شخصه، أما مرحلة مابعد ثورة فبراير فقد شهدت عديد القضايا الخلافية السياسية منها والقانونية أهمها.. أزمة شرعية مجلس النواب في سنة 2014 م وقد صدر حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بشأنها، ثم فصول الخلاف حول المادة الثامنة من الاتفاق السياسي في 2015م والذي لم يحسم بعد!! والإشكال السياسي والقانوني حول بعض مواد الدستور المقترح من هيئة صياغة الدستور، ومؤخراً يشتد الجدل السياسي حول التعديل الدستوري الصادر عن مجلس النواب وتحديداً المادتين العاشرة والحادية عشرة باعتبارهما مخالفين لنص المادة الثانية عشرة من الأحكام الإضافية في الاتفاق السياسي المبرم سنة 2015م.

وفي ظل احتدام الظروف السياسية والأمنية من جهة، وضرورات التوافق السياسي والإصلاح الاقتصادي من جهة أخرى تستمر مهازل السياسيين وعجزهم عن إيجاد آليات للخروج بالبلاد من أزمتها المتفاقمة على الرغم من الجهود التي تبذل من بعثة الأمم عبر اللقاءات والمؤتمرات لرأب الصدع بين مختلف الأطراف التي كان آخر حلقات البحث عن سبل إنهاء الأزمة مؤتمر باليرمو بإيطاليا.. إلا أن مصيرها غالباً ما يصطدم بالرفض والتعنت والنتيجة "لا اتفاق"!! والمؤكد أن ترف إضاعة فرص التوافق الوطني لم يعد متاحاً لا لحكومة الوفاق، ولا البرلمان، ولا المجلس الأعلى للدولة.. حيث بات تواجد هذه الأجسام عبئاً ثقيلاً على المستوى المحلي والدولي، ولم يعد مقنعاً لإنتاج أي حل للأزمة. والسؤال الذي يطرح نفسه.. لماذا لايتفق الساسة الليبيون على خارطة طريق تنهي هذا العبث وتنقذ البلاد من ويلات الحروب والانهيار؟!
إن مخرجات أي بيئة سياسية ملوثة وفاسدة لا تتعدى سياسيين فاشلين وقرارات مرتجلة وعشوائية، وهذا ينطبق تماماً على واقعنا السياسي الليبي، فعندما يتصرف بعض السياسيين أيا كان موقعهم بشكل عشوائي غير مدروس بدافع المكابرة أو بسبب انعدام خبرتهم العلمية والعملية وضعف قدراتهم العقلية في تقدير الأمور، وهذا ما يصنف بالغباء السياسي وبالتالي تنعدم مهارات حل النزاع والخلاف وهي مهارات أساسية وضرورية لمن يمارس السلطة السياسية على اعتبار أن السياسة هي فن إدارة الصراع. يقول ـ الصحابي الجليل علي بن أبي طالب: "إن أعظمُ بلاء العقول اِجتماع الجهل والكِبَر فيها".. هكذا الحال في بلد تسوقها السياسة الضالة التي أنتجت دولة رخوة غير مستقرة تعاني الفوضى والاضطرابات، وصنفت بمقاييس منظمة الشفافية الدولية بالدولة الفاشلة، وأدرجت خارج التصنيف الدولي لفاعلية القانون والقضاء لسنة 18ـ 2017 م.
وإن كنا نحمل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية ـ مجتمعة ـ المسؤولية في هذا الشأن، فمجلس النواب يتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية لأدائه المفرط في السلبية، وإتقانه صنعة المماطلة والتباطؤ في الوفاء باستحقاقاته الدستورية التي نص عليها الاتفاق السياسي. مجلس النواب الذي من مهامه الرقابة والتشريع بات عنصراً أصيلاً في تكريس الانقسام واستمرار وضع اللادولة.. والواضح أن المجلس الموقر بإدارة "فخامة الرئيس" عقيلة صالح (كما يفضل أن يشار إليه) لم ولن يقدم أي جديد مفيد من شأنه إنهاء الأزمة وإحداث نقلة ايجابية في اتجاه التوافق، لأن قراراته مرتهنة في أيدٍ غير أمينة على مصالح البلاد همها المصالح الشخصية والجهوية. والسادة النواب المنقسمون على أنفسهم بين متعنت، ومتردد، ومطبل، ومكبل الإرادة لايملكون القدرة والإرادة المطلوبة للبناء وتأسيس دولة.. كما قال الراحل جمال عبد الناصر "الخائفون لايصنعون الحرية، والمترددون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء" .

وبالرغم من اتساع البون بين المواطن والساسة، وحالة البغضاء الجماهيرية الشديدة تجاه مجلس النواب تحديداً، إلا أن رئيس البرلمان ومن يدور في فلكه لم ينجحوا في تغيير نمط أدائهم وتفكيرهم، ولم تفلح محاولات الترميم والترقيع في خارطة الأداء البرلماني الذي ملأ الساحة ضجيجاً ولم يسفر عن طحين. وتعود الإخفاقات المتواصلة لحالة الفقر الشديد في الوطنية وعدم خروج أغلب النواب من قوقعة القبيلة إلى مفهوم الدولة.
وتبرز هنا أهمية وجود ضابط رقابي رادع يستطيع متابعة وتيرة العمل والإنجاز بالتوازي مع موقف دولي صارم تجاه المتعنتين وهم حفنة من الشخصيات المغامرة والطموحة التي تعمل على إطالة أمد الأزمة بوضع العراقيل أمام التوافق وإنهاء الانقسام، وفي نهاية المطاف المواطن الليبي البسيط هو من تطحنه الأزمات ويدفع الثمن من قوته وكرامته، حتى بدت أحلامه في الحياة الآمنة المستقرة كأنما سقطت في بئر يوسف تنتظر قافلة العزيز لإنقاذها.
إن المتربعين على المشهد السياسي الليبي مطالبون بحل الأزمة الراهنة التي تجاوزت كل الحدود والتي أثقلت كاهل البلاد وعطلت مشروع بناء الدولة، وتقع عليهم مسؤولية وطنية كبرى تحتم تسريع الخطى لتحقيق كرامة الليبيين في الداخل والخارج، بالعمل على خلق قيادة وطنية محترفة بعيدة عن التجاذبات السياسية والحساسيات الجهوية، ومن الجيد أن تقوم القوى الوطنية بتبني مبادرة وطنية جادة لمحاسبة المقصرين، وأن تنطلق المبادرة بإشراف طرف رقابي مستقل لمتابعة وتقييم الأداء البرلماني والعمل على إصدار مراجعات لأداء النواب في كل دائرة انتخابية، وأيضاً أداء السلطة التنفيذية (الحكومتين) في شرق البلاد وغربها، والفكرة جديرة بأن تناقش خصوصا أنها ليست ببدعة حيث نفذت في كثير من دول العالم وكانت لها نتائجها الإيجابية.