Atwasat

صورة قديمة جدا: زنقة المقاصبة

سالم الكبتي الأربعاء 21 نوفمبر 2018, 10:58 صباحا
سالم الكبتي

(كانت لنا فيها إذا غنى المغنى ذكريات)

عبدالوهاب البياتى

والزنقة فى البركة كانت تلك الضاحية الجميلة فى زمن مضى. كانت السيول تتجمع من بعيد وتستقر في ذلك الموقع لتصير في خاتمة المطاف بركا من المياه.

المكان منخفض إلى حد ما عما يجاوره تلك الأيام ومن هنا جاءت التسمية.. البركة. وكان ما يحيط بها فراغ من الأرض تتخلله مزارع وأشجار. ليس هناك مبان. ليس هناك عمران. ليس هناك شيء آخر .

والمقاصبة لم تكن الزنقة الوحيدة. كانت تلتقي وتتماهى مع أزقة أخرى. عبدالمطلوب والرملي وبوشعاله والعرفيه وبوختاله وسيدى عبدالجليل. هناك كانت زنقة المقاصبه.. تلك حيشانها العربيه المتلاصقة.أبواب بوخوخه وسقف الصنور.. والبساطة. تلك بيوت المقاصبة.. جبريل ومنصور واحميده وخليل وعيت اسحيم.

ذلك بيت سالم زايد المغني في الإذاعة والموسيقي في فرقة البوليس مع عكوش والمدني وبوشوفه والصيدية ورجب بن غزى وعلى بوشناك معلم الأجيال ومفتاح الفيتورى الضابط الأنيق في حسابات الجيش وبيتنا.. وبيوت أخرى.

كانت الزنقه رائعة تمتليء بالدفء وتعج بالغادي والرائح في هدوء وبساطة. الأطفال والبنات والعجائز والشيوخ الكبار.. والفرن القديم به شباب أتوا من فزان البعيدة.. وأضحوا جزءا من الزنقة. لم يشعروا بالوحدة أو الغربة.  تلك قناني الخبز والأقراص الصغيرة والعلامات المميزة.. حبة الكاكويه أو ورقة حبق. الحبق والعرائش في الغالب كانت قطعة من البيوت وتكتمل صورتها مع المواجن. والحياة بسيطة يازنقة المقاصبه. تخرج من هناك إلى الرويصات.. جامع الطرلي والباعة. وتخرج من هنا ليلاقيك الجامع القديم.. بوغولة والخلوه والفقي مختار وختمة البغدادي.. والفلقة. وبيت المعلم محمد أمين القادم من تونس ودكان سي عبدالله بورويص ثم سي حمد الشحومي ثم كوشة الضبع والقهوه وكريمش وبيت سي حمد عبدالمطلوب والد عبدالحق الورفلى واشقائه.  والسوق الجديد الذى بنته إيطاليا وسط الحي. يصادفك عند مدخله القصاب فرج العبيدى. والمدرسه.. كانتا مدرستين رقم واحد ورقم اثنين. الاولى للكبار والثانية للصغار.

أجيال تتعلم وتسمع إلى قرع الجرس وتشعر بالحنين. والنظار الأستاذ على المقصبي ثم محمد زواوه. والمعلمين: مصطفى قشقش والصادق الشحومي والسنوسي الغرياني والصادق حيدر والصديق نتفه وعبدالقادر عامر وفرج بن دردف ومحمد عباس ومحمد المطماطي.. وغيرهم. والفناء الواسع ومعسكر البركه وراءه يحاذي المدرستين ويكاد يكون جزءا منهما. طلبة في المدرسة وجنود في الثكنة والإيعازات العسكرية والخطوات والطوابير التي تدق الأرض مصحوبة أحيانا بالطبول والموسيقى. وإفطار المدرسة. رائحة الجبن والحليب وتوزيع التمر ورش التلاميذ بالمطهرات. تغذية مدرسية متكاملة واهتمام أيام الجوع والتطلع.

وهناك. هناك  مبنى الملجأ الإسلامي. كان بيت طاهر باشا الوالى التركى. والنزلاء الذين يؤويهم في رفق وحنان يدرسون معنا. لافرق. لاطبقية ولا احتقار. المجتمع كان يهتم بهذا المرفق أيام كان للعمل الخيري والتطوع قيمة كبيرة قبل البترول والفلوس والتغير المجنون. التبرعات والزيارات ولمسات والود.

والحميضه والبراريك والزرادي إلى حيث مقر صحيفة الحقيقه لاحقا. ومعسكر الإنجليز الدقادوستا الذي كان يشهد غارات الرجال الجوعى للظفر بالتموين في الليالي الحالكات رغم زخات الرصاص ومطاردة الكلاب. والوادي عندما يفيض. وسعيد شربه الرجل الوحيد الذي ذهب بسره.. وسينما البركه الصيفي وحلاق فرج الورفلي.

وبيت خديجه الجهمى الذى كان يسكنه ضباط عراقيون يعملون في الجيش الليبي. ومقهى رجب بن غزى .. ومقهى بغداد.. ومركز البوليس.. والكنيسه .. وبعض الأجانب يقطنون في الشارع الرئيسي والمدرسة النموذجية.. والمتاجر النظيفة. كلها تلوح على مد العين.. على مرمى البصر من زنقة المقاصبه وماحولها. مجتمع بسيط متجانس.. معالمه جميلة حتى إن وجدت أخطاء.. وكامبو صلاح وسيدي بوسديره ومعسكر الريمي.. ورائحة الربيع وأمطار الشتاء.. والحياة الوادعة وتقارب الناس. لا قبلية. لاتمييز. لافوارق. لاتعالٍ. لاجبروت. حتى الأزقه عندما سميت بأسماء العائلات لم يكن السبب التعصب.. وإنما الأقدمية.. لمن قطن أولا.

صورة قديمة لحياة مضت لايمكن أن تتجدد. والبشر يفنون والزمن يأتي بالصور الجديدة المختلفة ثم الأجيال تتلاحق بلا توقف. ويازنقة المقاصبة. ويا البركة. كانت لنا أيام.