Atwasat

وانتبهنا إلى أننا

محمد عقيلة العمامي الإثنين 19 نوفمبر 2018, 11:39 صباحا
محمد عقيلة العمامي

بوابة جريدة الشرق الالكترونية نشرت يوم 24 فبراير 2016 مقالا عنوانه "أمة لا تقرأ " للكاتب محمد قيراط، ذكر فيه أن تقرير التنمية البشرية الصادر من اليونسكو سنة 2003 يقول أن 80 عربيا يقرؤون كتابا واحدا، فيما يقرأ المواطن الأوربي 40 كتابا في السنة، وفي الحين نفسه يقرأ المواطن الإسرائيلي 35 كتابا في السنة!

وأصدرت مؤسسة الفكر العربي سنة 2011 تقريرا مفاده أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا، فيما يقرأ الأوربي بمعدل 200 ساعة سنويا. أما الطفل الأوربي فيقرأ بمعدل 6 دقائق في اليوم، فيما يقرأ الطفل العربي بمعدل 7 دقائق في السنة. كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ كتابا واحدا فقط يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما يصدر كتاب واحد لكل 500 إنجليزي، ولكل 900 ألماني!

ولقد قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة بإحصاء ما تُرجم من المؤلفات الأجنبية في المدة الممتدة بين عامي 1970 و1980 فتبين لها أن مجموع عدد الكتب المترجمة بلغ (2840) كتابًا، منها 62٪ تُرجمت في مصر، و17٪ في سورية، و 9٪ في العراق، و5.4٪ في لبنان. كما تبين من هذا الإحصاء أن نسبة كتب العلوم الأساسية والتطبيقية المترجمة لا تزيد على 14٪، بينما بلغت نسبة ما ترجم من كتب الآداب والقصة والفلسفة والعلوم الاجتماعية ما يزيد على 70٪، في حين أن ما تترجمه اليونان وحدها يفوق ما يترجم في الدول العربية كلها، وأن ما تترجمه إسبانيا سنويا يفوق ما ترجم إلى اللغة العربية من عصر الخليفة المأمون!

هذه وحق الله إحصائيات مرعبة.

كنا - باديء الأمر - نؤثر بما كتبنا في الغرب، ثم صار الغرب مؤثرا ليس فينا فقط وإنما في العالم كله، خصوصا في أولئك الذين اصطلح على تسميتهم بدول العالم الثالث. نحن بالتأكيد نستفيد مما يصلنا مترجما من إنتاجهم، على الأقل لنعرف ما شوهه فينا بحسن أو بسوء نية. ولذلك نحتاج بالفعل إلى تقـديم إنتاجنا الفكري والإبداعي إلـى الغرب، على الأقل لتصحيح الأخطاء، وذلك، بالتأكيد، لا يتحقق إلاّ بالترجمة إلى لغتهم.

ولكن ليصل إبداعنا أو فكرنا نحتاج إلى نقلة بلغتهم من خلال ثقافتهم، وهذا لا يتم بصورة صحيحة إلاّ إذا وظفنا القدرات التي تتقن اللغتين وأيضا تعرف تماما ثقافة الآخر، فالترجمة الحقيقية المؤثرة تحتاج إلى مجموعة الأدباء والأكاديميين المهاجرين- عند الآخر - ذوي الجذور العربية، الذين مازالوا يتقنون اللغة الأم -لغة قوميتهم - ذلك لأنهم قادرون أكثر من بقية المهاجرين، الذين لا يتقنون اللغة العربية بدرجة تمكنهم من الفهم وتوصيل الأفكار، وأكثر في الوقت نفسة من الذين يتقنون لغة الآخر ولكنه لا يعرف تماما ثقافته ومصطلحاته الحياتية اليومية.

إن الأديب أو الأكاديمي- غالبا - ما يحمل هم جذوره ومشاكل منفاه، الذي قد لا يكون بالضرورة اختياريا، فيتأمل مرتين ويتألم مرتين، ويتعذب مرتين فيأتي إبداعه - في الغالب - متميزا ليخدم الثقافتين.. ثقافة الوطن الأم، وثقافة الوطن المكتسب.

وعلى الرغم من أن سوق الكتاب رائجة عند (الآخر)، بسبب (عادة) القراءة، التي صارت عنده طبيعة ثانية، ناهيك عن الكثافة السكانية، والوعي وحرص (الآخر) على معرفة الثقافات الأخرى، ذلك كله مقابل كساد واضح في سوق الكتاب عندنا بسبب التخلف بالدرجة الأولى والطفرة الحضارية التي داهمته، والعولمة، والفضائيات التي تسلطت على وقته، التي سلبته وقت القراءة ومتعتها، وهذا ما تسبب في نتائج الإحصائيات التي ذكرناها.

ولعلنا منتبهون إلى أن المترجم العربي يميل إلى الترجمة (من لغة الآخر) أكثر من ميله للترجمة (إلى لغة الآخر)، والحقيقة أنني لا أجد تعليلا لذلك إلاّ لصعوبة الترجمة من لغته الأم إلى لغة (الآخر) التي - أعتقد - أنها هي التي حالت بينه وبين تلك السوق الرائجة المتطلعة لمعرفة الكثير عن ثقافتنا وتراثنا.

عندما ازدهرت الحضارة الإسلامية شجع حكامها العلماء على البحث والترجمة والتحصيل. في حين تشرنق (الآخر) حول كنيسته ورفض ما يخالف تعاليمها. فالكنيسة الرومانية في ذلك الوقـت، كانت مكبلة بسيطرة معتقد ميثولوجي امتزجت فيه الطقوس الدينية بالخرافة والغيبيات، وفوق كل ذلك مفهوم خاطئ عن دولة عربية اعتنقت دينا فُسر لهم أنه يسعى لتأكيد وجوده بحد السيف، ناسية في الوقت نفسه أن سيفا صليبيا هو الذي سحق سيفا صليبيا آخر سنة 1208م ونهب بيزنطة في الحملة الصليبية الرابعة! لا لشيء إلا لاختلاف وجهات النظر، وسوء الفهم!

فماذا أريد أن أقول؟ أريد أن أقول أن الاكاديميين والأدباء العرب المهاجرين، الذي وصل إتقانهم لغة (الآخر) إلى درجة الكتابة بلغته، لأنهم تمكنوا منها بالدرجة نفسها التي يتمكنون بها من لغتهم الأم، هم – حسب رأيي – أكفأ من غيرهم، وأقدر على توصيل أفكارنا بوضوح إلى (الآخر) تماما مثلما هم قادرون على انتقاء أفضل ما لدى (الآخر) من أفكار وتقديمها إلينا بخلفياتها التي قد لا تكون واضحة تماما لغير المتمكنين من لغة وثقافة الآخر.

لهذا السبب انتقيت فصلا كتبه الدكتور على عبد اللطيف احميده، عن الرواية الليبية من كتاب أصدرته جامعة اوكسفورد العريقة عن الرواية العربية. لقد آذن لنا الدكتور أحميده مشكورا بنشره تباعا عبر حلقات أسبوعية بالقسم الثقافي بمنبر الوسط، لتعم الفائدة ويفتح بابا مماثلا تعم من خلاله الفائدة على الجميع.