Atwasat

بذهن متقد ذهني يكتب سيرته

سالم العوكلي الأحد 18 نوفمبر 2018, 10:40 صباحا
سالم العوكلي

لعل أجمل ما حدث معي في هذا العام 2018 أن أُتيح لي قراءة كتابين، أمتعاني، وأثرا في كثيرا: "بين الإرادة والأمل: ذكريات وتجارب حياتي" للدكتور علي عتيقة، و"عصير العمر" للدكتور: محمد صدقي ذهني، الذي سيصدر قريبا ضمن منشورات جريدة ميادين لصاحبها أحمد الفيتوري، والذي أقرأه الآن بشغف ومتعة، وأستميح المؤلف عذرا لأني أكتب عن كتابه قبل صدوره رسميا، لكن لم أستطع مقاومة هذا الإغراء، ورغبة أن أسجل انطباعي تحت تأثير النشوة.

ما يجمع الاثنين أنهما قطعا أشواطا كبيرة في علوم الزراعة، وطرقا بعصامية ملهمة أبواب جامعات العالم ومختبراته طلبا للمعرفة بشغف مخلوط بحب الوطن ورغبتهما الإسهام في بنائه بالعلم والخبرة والتخطيط السليم، غير أن الكابوس الذي سيطر على هذا الوطن تفزعه مثل هذه التصورات للمستقبل، ومليء بالعقد تجاه التميز والكفاءة والتفوق.

لعل ما أثار شجني، أيضا، كوني من الاختصاص نفسه بما له من آفاق علمية مفتوحة إلى ما لا نهاية حُرمت من الولوج فيها بفعل قوة قاهرة، فأنا خريج كلية الزراعة بجامعة قاريونس فرع البيضاء، العام 1983، قسم التربة والمياه، وربما هذا المشترك كان له دور في درجة التواصل العقلي والنفسي مع هذين الكتابين المهمين، واللذين يمكن إدراجهما ضمن أهم كتب السيرة التي صدرت، ترصد تجارب أناس اختاروا أن يكون لهم شأن في الحياة، وأن يسهموا في التوق الإنساني للتطور عن طريق العلم والذهاب إلى منابعه الأصلية.

غمرتني سعادة لا توصف وأنا أقرا هذه التجارب المهمة لشخصيتين من وطني، استطاعا أن يرفعا رأس الجنسية الليبية أينما حلا، ويتركا انطباعا إيجابيا عن هذا البلد المنسي في التاريخ والجغرافيا. سعادة شابها بعض الحزن حين أقارن تجربتي الدراسية داخل حدود هذا الوطن وتجربتيهما خلف البحار والمحيطات، كنت طوال القراءة أغبطهما على الدعم الذي أحاطهما به كل أساتذتهم والعاملون في المؤسسات الأكاديمية العريقة التي درسا بها، وأتأسف على ما حدث لي ولكثير من الزملاء من إجحاف في وطننا القاسي.

تخرجتُ من قسم التربة والمياه كأول دفعة في الكلية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، لكني مُنعتُ مع طلاب آخرين متفوقين من إكمال دراستي بعد أن جُمِّعنا، في أحداث أبريل 1982الدموية داخل حرم الجامعة، في قاعة من قبل طلاب في المثابة الثورية وشُتمنا ونُعتنا بالحمير لأننا تحصلنا على معدلات عالية دون أن يكون لنا أي نشاط في المثابة، ونظرا لضيق الحال قررت أن أعمل فترة بمشروع الكفرة الإنتاجي لأجمع من المال ما يكفي لأكمل الماجستيرـ على الأقل ـ على حسابي، لكن مرة أخرى مُنعت من الحصول على شهادة التخرج الأصلية أو كشف درجاتي، أو ما يسمى( ترانز كريبت) لأن الدراسة كانت في ذلك الوقت باللغة الإنجليزية في جميع المواد.

هذا شجن أثاره كتابا السيرة، مستغربا كيف أساتذة وعاملون بجامعات أجنبية يدعمون طلابا ليبيين ويوفرون لهم كل الإمكانات والحوافز من أجل أن يخدموا وطنهم المستقل حديثا، وكيف أبناء وطننا وجلدتنا يجهضون كل أحلامنا ويضعون العراقيل أمامنا حيث لا ذنب لنا سوى التفوق. وكم كان الفارق كبيرا بين برنامج النقطة الرابعة وبرنامج النقاط الخمس!!.

يذكر صاحب السيرة "عصير العمر" أنه كان من المرجح له أن يختص في المجال الأدبي باعتبار ميوله الفطرية لقراءة وكتابة الأدب الذي اكتشفه مدرسوه الأوائل، وهذا ما حدث معي أيضا، ولكن الموانع مختلفة حيث اضطررت بسبب سكني في قرية لدخول المجال العلمي لأن الثانوية التي درست بها لا يوجد بها قسم علمي، وسياسة النظام السابق ألغت كل الأقسام الداخلية التي كان يحدد من خلالها الطلاب خياراتهم. اكتشفت فيما بعد مثلما ذكر ذهني أن معرفة الفيزياء والكيمياء والرياضيات ضرورية للتفاعل مع الفلسفة والفكر والأدب بما تحتشد به من اتساقات أخاذة وخيال جامح. اضطررت في النهاية لترك مجال الزراعة والتفرغ لكتابة الشعر والفكر والرواية والمسرح أحيانا، وتذكرت حوارا مع الشاعر والكاتب والمسرحي، محمد الماغوط، خريج كلية الزراعة اختصاص (حشرات) حين سئل كيف لمختص في الحشرات أن يكتب في الأدب والشعر والمسرح، فقال بسخريته المعهودة: كان اختصاصي حشرات زراعية ثم وجدت أن الاهتمام بالحشرات البشرية أولى. منطلقا من واقع الشعوب العربية التي تعاملها أنظمتها كحشرات.

تمتاز سيرة السيد محمد صدقي ذهني بلغة أدبية رفيعة، وبدقة في صياغة العبارة، ربما مردها إلى اختصاصه العلمي الذي تذهب لغته للهدف مباشرة، واحتكاكه المباشر بلغة أخرى يعتبر الاختزال والتكثيف الدلالي أهم مميزاتها. والأهم من ذلك، اهتمامه بالتفاصيل الحياتية الصغيرة أكثر من الأحداث الكبيرة، تلك التفاصيل التي في مجملها تمثل تاريخ الإنسان الحقيقي فوق الأرض وهو يقارع مفاجآت الحياة اليومية التي تسير بهدوء بعيدا عن ضجيج قطار التاريخ، ليتحول التاريخ بأحداثه الكبرى إلى مجرد خلفية لتجارب إنسانية تحفر بمثابرة في طبقات المجتمع وآليات تشكله البسيطة التي تنتج في النهاية ميوله ووجدانه ووعيه الشامل.

تحدث عن "درنة" الأربعينيات بهذا الولع بالتقاط التفاصيل وكأني أقرأ رواية لهوجو أو تولستوي، وبذوق بصري مرهف استطاعت ذاكرته الحسية أن تحتفظ بالكثير من التفاصيل، وأُرجعُ هذا الانتباه البصري والتأمل الميكروسكوبي في جماليات المكان ومحتواه الإنساني إلى نشأته الأولى في درنة، مدينة البساتين والجمال التي تشحذ حاسة النظر وتجعل العينين مشرعتين بنهم لالتهام المشاهد الحياتية بغبطتها وحزنها، ومراقبة دبيب الحياة اليومية لدرجة اشتهرت درنة بمدينة (قيادة الأحوال) وهي خصيصة تعكس طبيعة العلاقات في المجتمعات الصغيرة الحميمة التي يحيط بها الجمال بمفهومه الإستاطيقي وليست نقيصة، كما أرجع هذه الميزة إلى اختصاصه في مجال الزراعة كفضاء لتمرين الملاحظة، حيث حاسة البصر مختبر أو معمل أولي لمعرفة أنواع التُرب، ومراقبة أوراق المحاصيل للحدس بما ينقصها من عناصر مغذية، وحيث الضوء هو مصنع كل هذه الخضرة فوق الكوكب، وحيث الإصابة بالوسواس النباتي الذي يجعلنا نتأمل أشجار الشوارع مهما كانت مزدحمة بالأبنية ووسائل المواصلات الحديثة، وهذا ما يجعل المؤلف يذكر أسماء الأشجار في كل شارع يتحدث عنه، إضافة إلى شغفه المبكر بالرسم الذي لاحقه كهواية دون أن يحيله إلى مشروع شخصي، جعله في النهاية متذوقا للفنون ومدمنا على المتاحف.

بلغة بديعة وصف درنة في تلك الحقبة ، للدرجة التي لو أراد فيها مخرج سينمائي أن يصور فيلما دراميا عن درنة في تلك الفترة لأصبح هذا الكتاب أهم مراجعه، بما وصفه من طرق حياة ومن إكسسوار وملابس ولهجة وإيماءات وغيرها من مكونات الدراما التاريخية.

أحب المؤلف كل المدن التي مر بها، وأحب كل الناس الذين تعرف عليهم، وحرص على أن يذكر كل إيجابي فيهم وأن يبرر بعض العيوب إن وجدت ويرى فيها زوايا جمال أخرى، وهو منزع يعكس روحه الجميلة ومساحة التسامح والحب في داخله، ويعكس مدى تربيته الديمقراطية التي ربما أسهم في إبداعها وجوده لفترة طويلة في مناخات الديمقراطية في العالم المتحضر، دون أن ننسى الأجواء العائلية الحميمة التي عاشها، سواء في بيت فخم بمقاييس ذاك الزمن أو في كهف (حقفة) تحت قذائف حرب عالمية نزعت منه أحب الناس إليه، أباه وأمه وشقيقه الصغير، لتتركه وأخته الصبية التي حلت مبكرا مكان أمه يتيمين في زمن صعب. لكنه استطاع تجاوز كل تلك المحن التي لم تندمل جراحها إلا بعد فترة طويلة، ليحقق ذاته عبر نجاح أكاديمي ومهني، وليُخلّد تلك الشخصيات التي أثرت فيه بإحدى أجمل السير التي قرأتها. شخصيات بسيطة وعفوية محتشدة بالحب والذكاء والفكاهة والوعي الفطري، كل شخصية منها تصلح لكتابة رواية، عاش وسطها في زقاق لاطم لكنه بحجم خيال طفل مقبل على الحياة والقراءة بكل حواسه.

تتخلل هذا السرد تأملات شعرية وفلسفية ، تذهب إلى سبر كنه الوجود ومفارقات الجمال، ومفاهيم مثل: الصداقة أو الإيثار أو الوطنية أو الحب بمفهومه الشامل الذي لا يفرق بين الأجناس ولا الأديان ولا الألوان، دون أن يتخلى عن تسريب ظل من الفكاهة داخل السرد تجعل الابتسام الدائم أحد محفزات القراءة.

سأتوقف هنا،لأني لم أكمل هذا الكتاب الممتع حتى الآن، لكني سأعود مرارا للكتابة عنه وعما يزخر به من محطات إلهام كثيفة، ومن تجارب حياتية تغري كل من يقرأها بأن يكتب عن مرسلاتها الإنسانية دون توقف.