Atwasat

المرابطون الأسياد حلقة 12

سالم قنيبر الخميس 08 نوفمبر 2018, 01:04 مساء
سالم قنيبر

هيرودوت – تحديد المكان ووصف لوجود الإنسان.

وتدخل المنطقة الشرقية من البلاد في غياب، يمتد إلى بضعة قرون.. ثم يجيء ذكر المكان باتساع ويتناوله أول الرواة.. شيخهم وكبيرهم هيرودوت1 بـعد أن حل به المهاجرون الإغريق، واستقروا. وتوافرت لهم أسباب الاستيطان. أزمنة التفوق الإغريقية، القرن الخامس قبل الميلاد وما بعده، ولا يتحدد ذلك التفوق المذهل ببداية مفاجئة، ذلك أنه نتاج تفاعلات عوامل شملت مختلف مجالات تعامل الإنسان مع فكره، وسلوكه، والطبيعة والحياة. واختص هيرودوت (484 ق.م. ـ 424 ق.م.). ونبغ في كتابة التاريخ لذلك الزمان، بالقدر الذي نبغ واشتهر وتفوق معاصروه، سقراط، أفلاطون، أرسطو، وفيثاغورس، أو بروتاجورس، أبيقور، وأبقراط، سوفكليس، وبندار. والعديد الكثيرون الآخرون من تلاميذ مدارسهم ومذاهبهم ومن سار على نهجهم، واختط له مساراً في مجال الفكر، الفن، العلوم، والمعرفة العامة أو الفلسفة الرياضيات والأدب، التعليم ونظام الحكم.

ثيــرا.... إحدى جزر اليونان. النصف الأول من القرن السابع ق.م. تعرضت لسنوات من الجفاف، مما دفع بعض أهلها لركوب البحر، والاتجاه نحو الساحل الليبي الشرقي بحثاً عن موقع يصلح للهجرة والاستيطان، وقد وجدوا في قورينة، بعد سنوات من التطواف والبحث، المكان المنشود.

وتبدأ الأحرف.. الكلمات.. الجمل، ثم العبارات المطولة، تنطلق من هذا الموقع الذي أسس الإغريق، ـوهم في الطريق باتجاه أزمنة الرقي الإغريقي المبهرـ أول مستعمراتهم على الساحل الليبي، ليبيــــــا.... أول تعريف يحدد الموقع يخبرنا به هيرودوت، ـ القرن الخامس قبل الميلاد ـ يتحدث عن تقسيم العالم المتعارف عليه عند الإغريق آنذاك إلى ثلاثة أجزاء، أي ثلاث قارات، أوربا وآسيا، ثم ليبيــا.

ونجده يطرح التساؤل عن الأسباب التي استوجبت تحديد هذا التقسيم، فلا يجد إجابة، كذلك يذكر بأنه لم يتوصل إلى معنى للأسماء التي أطلقت على القارات، إلا أنه يقول بأنها أسماء لإناث، وأن ليبيا سميت باسم إحدى نسائها. 2 ليبيـــــــا... كما جاءت في تاريخ هيرودوتس، يحيط بها البحر من كل الجهات إلاّ من جهة اتصالها بآسيا، ويمتد ساحلها الشمالي من الضفة الغربية لدلتا النيل، حتى (المحيط الأطلسي غرباً). كما أن نهر النيل ينبع من جنوب ليبيا ماراً بإثيوبيا في طريقه إلى مصر.
ليس تاريخاً هذا الذي يكتب، لكنه متابعة لتحديد موقع من الأرض لم يكن محدداً بمعالم وملاحقة لوجود سكاني، يظهر أحياناً ثم يختفي، وتختلف مظاهر وجوده وتتعدد وتتباعد.

المنحوتات المصرية على جدران صخور الهياكل والمسلات، أبقت على ذكر لقبائل التحنو والريبو والمشواش، وقبائل صغيرة وردت عرضاً (الإسبت والهسوالبكن)، وأتت على ذكر لقبائل أخرى كثيرة وافدة من وراء البحر، شاركت هذه القبائل وتحالفت معها في محاولاتها المتواصلة للاستيطان بمصر.

ويخفت صدى تلك الكتابات ويتراجع ثم يختفي بتراجع دور مصر التي لحق بكيانها الضعف فأصبحت مستهدفة من قبل الغزاة... وحل زمن السيادة عند الإغريق، وجاء هيرودوت إلى قورينة، فبحث، وتقصى، وشاهد، وسأل، ثم مَحَّص، وكتب فصولاً عن ليبيا (القارة)، ومن يقطن بليبيا من السكان.

صنف هيرودوت سكان ليبيا (القارة).. إلى قسمين.. سكان أصليين، (قبائل ليبية، وإثيوبيــين ـ زنوج ـ). يتواصل وجودهم من الضفة الغربية للنيل شرقاً، إلى أعمدة هرقل غرباً (جبل طارق) بطول الساحل، ويمتد وجود بعضهم جنوباً. أما القسم الثاني فهم المستوطنون الذين حلوا بالبلاد وأنشأوا مستعمرات لهم على الساحل الشرقي (الإغريق). ومعهم(الفينيقيون) الذين انتشرت مراكزهم التجارية من قرطاجنة غرباً إلى (خليج سرت) شرقاً.

ويقدم هيرودوت في كتابه الرابع متابعة عن السكان الأصليين... الممثلين بالقبائل الليبية، ومواطن سكناهم ووصف أحوال معيشتهم مبدياً لما توصل إليه وعلمه من شؤون حياتهم وسكناهم وعاداتهم وأسباب معيشتهم ثم يأتي على ذكر علاقتهم بالمستوطنين الذين حلوا بأرضها. مبتدئاً من الشرق، من حدود مصر...، الأدرماخيدي، ويمتد وجودهم من الضفة الغربية للنيل حتى ميناء (بلاينوس) البردي. . يليهم الجيليجامي غرباً حتى جزيرة (أفرودايس) بالقرب من درنة... ثم قبيلة الاسبستي جنوب قورينة، ديارهم غير متصلة بالساحل الذي يسيطر عليه الإغريق.. ثم الأوسخيزي جنوب مدينة برقة اليونانية (المرج)، ويتصلون بالبحر قرب مستوطنة يوسبيريدس (بنغازي). وضمن ديار الأوسخيزي تعيش قبيلة البكالي الصغيرة التي تتصل بالساحل قرب مدينة توكيرة... ويواصل المؤرخ الإغريقي تتبعه لسكان الساحل الليبي الشمالي قبيلة بعد أخرى، إلى أعمدة هرقل (جبل طارق). ولا يغفل عن ذكر سكان الواحات في الجنوب.

ونتوقف قليلاً، عند ذكر هذه القبائل التي تعيش في المنطقة الساحلية من الحدود المصرية حتى رأس منحنى خليج سرت الشرقي. (بنغازي). المنطقة ذاتها التي كانت تعيش فيها القبائل التي سبق وجودها وظهرت في الكتابات المصرية ـالتحنو والريبو والمشواشـ وسنجد أنها اختلفت في الاسم والعدد والارتباط بالأرض.. ويأخذنا ذلك الفراغ الزمني الكبير التائه في القرون من سني التاريخ، إلى تساؤلات تتلاحق عن وجود الإنسان وفعالياته، وعن صلة هذه القبائل بسابقتها.... وليس من سبيل للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها إلاّ اللجوء إلى الافتراضات، أو قياس المجهول على المعلوم، وأياً ما يقال فلن يرقى إلى حقيقة، ويظل محض افتراض. ...
يتبع
......
حاشية ___
يرى الباحثون في تاريخ الوجود الاستيطاني الإغريقي على الساحل الليبي الشرقي أن ما جاء في كتب هيرودوت التسعة عن ليبيا تعتبر المصدر التاريخي الأول للتعرف على الجوانب التاريخية لهذا الاستيطان منذ بدايته (631 ق.م) وحتى سنة إعداده لهذا الكتــاب ( 447 ق.م). ، وإلقاء الضوء على مظاهر كذلك ( الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في البلاد آنذاك ، وتوضيح بعض معالمها الجغرافية. وقد اتخذ بعض الباحثين هذا المصدر مادتهم الأساسية في تناولهم لنشأة المدن الإغريقية في ليبيا ووصف الحياة الاجتماعية للقبائل الليبية التي كانت تسكن المنطقة قبل مقدم اليونانيين وعند
حلولهم.، وأماكن وجودهم وعاداتهم وإنما معيشتهم وسبل حياتهم. وقاموا باستخلاص - وترجمة وشرح ما ورد بشأنها... أ ب أقوال هيرودتس عن ليبيا ص 652
ـ692 وانظر عبدالرحمن بدوي الفلسفة القورينائية مذهب اللذة ص 9 ــ 13.
- ويضاف إلى النصوص التي وردت في كتب هيرودوت عن ليبيا. قصائد الشاعر الإغريقي الكبير بنداروس المعاصر لهيرودوت التي تضمنتها مجموعة فوثباته، الرابعة والخامسة المؤسسين. وقد أشار فيها إلى الأسطورة الميثولوجية عن نشأة قورينة، وتحدث عن ازدهارها، في ظل حكم ملوك الباتوسيين الثمانية الذي استمر قرابة القرنين (631 ق.م. ـ 440 ق.م.) انظر عبدالله حسن المسيلمي (كاليماخوس القوريني ـ بندار في قورينة 22 ـ 26).
- يقول هيرودوت (أما بالنسبة لأوروبا فكل ما نعرفه عنها هو أن طولها يساوي طول آسيا وليبيا مجتمعين. والمسألة الثانية التي تحيرني في هذا
لماذا أعطيت ثلاثة أسماء مميزة لهذه القارات الثلاث مع أنها في الواقع تشكل كتلة واحدة من اليابس. ولماذا كانت الأسماء أسماء إناث؟ وثمة أمر
آخر هو أني فشلت في معرفة المصدر الأصلي لأسمائها إن معظم الإغريق يفترضون أن ليبيا إنما سميت باسم إحدى نسائها. الكتاب الرابع 256.
ـ يشير البرغوثي في تقديمه لترجمة النصوص الليبية الواردة في كتب هيرودوت إلى الدلالات الجغرافية الثلاث التي يستعملها هيرودوت عن ليبيا
بقوله «فهو يستعملها حيناً ليدل بها على الشمال الإفريقي ابتداء من الحدود المصرية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ويستعملها حيناً آخر ليدل
بها على القارة الأفريقية باستثناء مصر وإثيوبيا ثم يستعملها مرة ثالثة ليدل بها على منطقة برقة وحدها» التاريخ الليبي القديم ص 655.
انظر أمثلة لذلك في معبد الكرنك انتصارات سيتي الأول (1318 ـ 1298قم) على التحنو.. وصور معبد أبي سنبل ولوحة تانيس عن انتصارات
رمسيس الثاني على التحنو.. وحلفائهم من شعوب البحر. وكذلك نقوش الكرنك الكبيرة وعمود القاهرة ولوح إسرائيل وأنشودة النصر عن انتصارات مرنبتاح 1227 قم على الريبو والتحنو وحلفائهم من قبائل البحر، وكذلك حروب رمسيس الثالث (1194) ق.م. وانتصاراته على الريبو والتحنو والمشواش وبقية القبائل المتحالفة في نقوش معبد رمسيس الثالث في هبو بطيبة الأقصر.