Atwasat

قُتِلَ الجعد ومات ابن الراوندي

أحمد معيوف الثلاثاء 06 نوفمبر 2018, 12:14 مساء
أحمد معيوف

وفي حين أن التاريخ الشخصي للجعد ابن درهم شحيح جدا، نرى بالمقابل معلومات مستفاضة عن ابن الراوندي بسبب كتاباته الكثيرة والردود عليها. يكنى ابن الراوندي بأبي الحسن، واسمه أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، نسبة إلى قرية راوند الفارسية، ولد عام 210 هجري (870 ميلادي). درس في المدرسة الإسلامية بقريته مقدمات العلوم، تم رحل عنها إلى الري التي كانت منارة من منارات العلوم في الشرق والتحق بمدارسها.

عرف عنه في مدارس الري الجد والمثابرة، فنال إعجاب أساتذته وزملائه، وكان كما تقول المصادر طيب السيرة ونقي السريرة، تقيا ومجتهدا في آداء فرائضه، مراعيا للسنة، محافظا على الآداب العامة. ورغم قصر إقامته في مدينة الرى، فقد ألف فيها كتابه الأول (الابتداء والإعادة) والثاني (الأسماء والأحكام)، وفي كلا الكتابين لم يظهر ما يشير إلى انحرافه عن الدين كما تتفق المصادر التي ذكرتها، بل تبين فيهما صدق الانتماء وعمق الإيمان. ترك ابن الراوندي قرية الري وارتحل إلى عاصمة العلم والثقافة والسياسية إلى بغداد، وفيها تقلب في عقيدته وانتمائه إلى أن انتهى الأمر به إلى الإلحاد كما سجلت كتب التاريخ..

في بغداد مارس مهنة النسخ، وهذه المهنة مكنته من الاطلاع على أمهات كتب زمانه، فازداد علمه وأصبح من الشخصيات العلمية البارزة، بل ومن أعلامها، وانضم إلى المعتزلة وكتب كتابه (خلق القرآن)، إلا أنه ما لبث أن انقلب على المعتزلة وكتب كتبا في مهاجمتهم، من هذه الكتب كتاب (فضيحة المعتزلة) الذي رد فيه على كتاب الجاحظ (فضيلة المعتزلة).

ترك الاعتزال وتشيع، وكتب في فترة تشيعه القصيرة كتاب (الإمامة)، ثم ما لبث أن ألحد وبدأ في مهاجمة الدين والطعن فيه، وتطرق في انتقاده للتوحيد إلى التشكيك في صفات الله مرة، وفي نفيها مرة أخرى، وطعن في نبوة الأنبياء وأنكرها، حتى وصل به إلحاده إنكار وجود الله وأزلية العالم.

وقد ضمن فكره الإلحادي كتابه (الزمرد)، الذي تجرأ وتجاسر فيه بالتشكيك في النبوة، وسخر فيه من العقائد، وأنكر المعجرات الحسية، وأكد على سمو العقل على النقل، وبين أوجه التعارض بين الشريعة والعقل، وأنكر معجزات الرسول، ونقد فكرة إعجاز القرآن.

ومن غريب ما نقل عنه في ظني والذي يتنافى مع إلحاده، أنه التقى ذات مرة أبا علي الجبائي، وهو من كبار شيوخ المعتزلة وأستاذ أبي الحسن الأشعري. فسأله: "أما تسمع مني معارضتي للقرآن وتقضي له؟"  فرد عليه أبو علي: "أنا أعرف بمجاري علومك، وعلوم أهل دهرك، ولكن أحاكمك إلى نفسك، فهل تجد في معارضتك له عذوبةً وهشاشة وتشاكلاً وتلازماً ونظماً كنظمه وحلاوة كحلاوته؟" فرد ابن الراوندي قائلاً: "لا والله."  فرد أبو علي: قد كفيتني فانصرف حيث شئت.

وإذا صدقنا هذه الرواية فلا شك أننا سنستنتج أن ابن الراوندي كان يعيش حالات من الشك ربما أدت به إلى الإلحاد، لكنها حالة من التذبدب بين هذا وذاك. وهناك رواية أخرى شبية بهذه الرواية، فقد كان من عادة علماء العصر أن يعرضوا بضاعتهم على الخلفاء، وبالتالي إعجاب الخليفة بأعمالهم يفتح لهم أبواب الرزق والجاه. فسعى كما يسعى غيره عن طريق أحد الوراقين (الوراق في ذلك الزمن يساوى دور النشر في عصرنا)، وعرض عليه أحد كتبه لاستنساخها وتقديمها للخليفة العباسي، فشرع الوراق يتصفح الكتاب، ودقق النظر في عناوين فصوله، وكانت حيرته تزداد كلما ازداد وقوفاً على محتويات الكتاب وجرأة صاحبه. فعاد الوراق يقول له: لقد أنكرت الأصول الثلاثة للإسلام، وهي التوحيد والنبوة والمعاد. فقال ابن الراوندي: ليس الأمر كما تتصور، فلو دققت النظر لعرفت أنني لم أنكر التوحيد، وإنما رغبت في تنزيه الخالق عن الخرافات التي تنسب إليه. هذا المنهج الذي يبالغ في التنزيه هو منهج المعتزلة وأصحاب الرأي بصورة عامة، وليس مقتصرا على شخص بعينه.

وهناك حوار شبيه بهذا الحوار جرى بين ابن الراوندي والخليفة المتوكل حين نجح في تقديم كتابه (الفرند) إليه، ونحن نعلم دور المتوكل في تقليم الاعتزال والقضاء عليه، بعد أن انتعش فكرهم ومذهبهم تحت حكم سابقيه على عهد المأمون والمعتصم والواثق، لكن موقفه من ابن الراوندي كان متواضعا فلم يقر بتكفيره. نعم، يذكر أن المتوكل قد غضب من كلام ابن الراوندي في آراء الناس في الله وفي التوحيد، فقال له: أنت أنكرت وجود الله، وتقول إن ما تعتقده الناس في الله أسطورة من الأساطير انتقلت من جيل إلى جيل؟ فأجاب ابن الراوندي: يجب تصحيح قولي بأن أعظم الأساطير في حياة الإنسان هو تصوره عن الخالق. فسأله المتوكل: ما قصدك من هذا الكلام؟ قال: إن تصورات الإنسان عن الخالق والمبدأ محاطة بالأوهام والأساطير، لأن فكر الإنسان يعجز عن إدراك الخالق أو معرفة أوصافه. قال المتوكل: فإذن أنت تعترف بوجود الله، وتراه خالق كل شيء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. أعترف بذلك. والحوار مع المتوكل يطول وهو شيق وممتع، ويدل على فطنة وذكاء المتوكل، لكنه قد يفند اتهام ابن الراوندي بالإلحاد من خلال رده على الخليفة، وقد تكون ردوده نوعا من التقية التي كانت تنتشر بين بعض الطوائف الإسلامية حينها.

أعود فأقول، إن شهرة ابن الراوندي كانت نتيجة لعبقريته الفدة، وقلق الشك الذي يمر به، والذي قد تعود أسبابه إلى ما عاناه من الفقر وضيق اليد. فقد عاش فقيرا رغم مكانته العلمية العالية، والتى لا أقل من التدليل عليها بعدد الكتب التي كتبها وردود علماء عصره البارزين عليها، ونظرياته التي قال بها. وكان، مثله كمثل علماء عصره، ضليعاً في جميع علوم يومه، كالطب والرياضيات والفلك والعلوم الدينية واللغة، ومن أغرب نظرياته في الطب تلك التي تنبه فيها إلى أن جسم الإنسان محاط طوال أيام حياته بأعداء تهم بالفتك به، ولكن الجسم نفسه يولد ما يقيه شرها، ويحافظ على سلامته وحياته. وهو يعني بذلك، في لغة عصرنا، تلك الجسيمات المجهرية التي تهاجم جسم الإنسان، فيتصدى لها الجسم بإفراز مواد مضادة لها، أو تقوم الكريات البيضاء بالتصدي لهذه الأجسام القاتلة فتلتهمها.

ألف ابن الراوندي ما يزيد عن المائة كتاب، وتصدى للرد عليه كما أشرنا علماء كبار من مختلف الفرق الإسلامية المعاصرة له، فمن المعتزلة تصدى للرد عليه الخياط والجبائي، ومن الشيعة تصدى له إسماعيل بن علي النوبختي، كما تناول نقد كتبه أبو الحسن الأشعري وغيرهم كثير.
ما يهمنا في هذا السياق، أن هذه الطائفة من الآراء الجريئة التي نادى بها ابن الراوندي وأحدثت تلك الضجة في زمنه، ووظفت أقلام كبار علماء عصره بالتصدي لها، ومع كل ذلك لم تنته حياته بقتله بتهمة الإلحاد والكفر كما انتهت حياة الجعد بن درهم، بل مات موتا عاديا في أخريات القرن الثالث الهجري عن عمر يقارب ثمانين سنة.