Atwasat

شقة 63

د. مها المطردي الإثنين 05 نوفمبر 2018, 12:43 مساء
د. مها المطردي

ملائكته خفيفة على القلب. جملة اعتدت سماعها من أصدقائي حين يدخلون بيتي المتواضع الصغير. هم لا يعلمون أن الأماكن تشكل جزءا من تاريخنا وذواتنا.. وأنني في هذا البيت وّلدت ولادة جديدة لم تحظَ بها امراة في عمري.. فكان شاهدا على هذا المخاض. بيت غريب الأطوار تشكلت فيه امراة مختلفة.

سماؤه لا تنتهي عند حدود الليل. يغفو على كلثوم وقمر. وصباحه تأمل و مزج من عبق قهوة على فيروز وياسمين وجدائل من نور.. تضج فيه رائحة البخور والقرنفل والنعناع.. وألونه ترسمها الشمس.. فيه لملمت بقايا الدفء على حواف الشبابيك. أنتظر الرسائل في كلام الصبح.

في هذا البيت عشت حزني الذي حط عليّ لأربع سنين. وفي غرف نومه مرضت جسديا ونفسيا.. بكيت فيه حتى عجزت عن التقاط انفاسي واختنقت.. في هذا البيت اكتشفت أني هشة وضعيفة.. وانهارت فيه كل دفاعاتي وقناعاتي التي كانت تقول بأني قوية.

في بيتي هذا اكتشفت امرأة أخرى في داخلي جديدة.. تسأل عن قناعاتها وهل هي فعلا مؤمنة بها أم لا.. وطوّرت قدراتي وروحي واحتمالاتي.. فيه تعرفت لأول مرة على دوافع الناس الخفية وتصرفاتهم غير المفهومة.. التي لم أكن أعيها.. إذ قبله كنت أرى الناس حسب ظروفي وبمنظوري.. فيه مررت بظروف وأزمات وآلام وتعاملت بقسوة ليس لأني أكره ولكن لأنني كنت أنهار وأنا أكره ضعفي وأخفيه بالقسوة.

في هذا البيت أقمت العزائم.. وزارني الأقارب والأصدقاء.. كان دائما يجمعهم على أطباق زوجي اللذيذة.. وابتسامته المرحبة.. فأقاموا عندنا.. فكانوا رزقا وخيرا وبركة شهدناها وخبرناها ونحن نرزق برزق أطفالنا وما يثري جيوبنا.

في بيتي هذا أدرس.. ولا أدرس وحدي، ولكن زوجي يدرس معي.. فهو المحرك والمشجع وروح الروح.. فلسنوات أربع مضت كنت جسدا جُرحت فيه الروح. في هذا البيت تذوقت الفرح واحتفلنا بأعياد ميلادنا وعيد زواجنا.. ولم يتوقف زوجي عن إحضار الهدايا لي كل يوم.. ورودا وحروفا زينت روحي.. وأشياء زينتني في انعكاس المرايا.. فيه صنع لي حدائق معلقة كما يُسميها الأصدقاء.. ومُنحت لقب السيدة الأولى على ليالي شرفتنا المقمرة.

في بيتي هذا اقتربنا أنا وزوجي جدا من بعضنا وصرنا نفسا واحدة.. فيه تخلّقت في رحم حياة جديدة.. تغيرت.

أحيانا أفكر لو عاد بي الزمان.. هل كنت سأتجنب ما مر بي من ألم؟ قطعا "لا".. فمن تأتيه الفرصة لتنبت من قلبه الزهور ويقول لا؟ من تأتيه الفرصة ليشق وحبيبه الطريق ويقول لا؟ فرصة في العمر أدركت فيها قوتي وما أملكه حقا وما لا أملكه... هذا البيت العتيق الصغير له مكانة في نفسي كبيرة.. بيت تبدل الأحوال والعقول والنفسيات ونموذج لما تفعله الأيام بالإنسان.. تنقل من محنة إلى منحة.. اليوم ضيق ومن بعده يأتي الفرج.. ما يضيق به الصدر اليوم.. هو جناحات تطير بها الروح غدا.

أنظر لبيتي بفخر عظيم.. وأراه بيتا فوق الغيم.. فيه أنا في السماء أكثر من الأرض.. بيت له شرفة تطل على الأفق.. بعيدة عن العالم الذي تشوهه البشاعة التي تؤذي الطيبين. شرفة تطل على الجمال والأمل والنقاء.. وبيت يطل على الخيال والشمس والقمر.. أفتحه لكل من يحب الحياة والحلم والموسيقى.. مكان للقصائد ورسم الحروف من ذهب وروح.. بيتي.