Atwasat

الضوضاء والماصولا

محمد عقيلة العمامي الإثنين 05 نوفمبر 2018, 12:32 مساء
محمد عقيلة العمامي

"إن أشد أنواع الضوضاء دناءة هي قرقعة الكرابيج في الهواء، وهو في نظري، إجرام لا يغتفر، وهو عمل من أعمال الجحيم حقا إذا وقع في أحد الشوارع الضيقة التي تجلجل الصوت في المدينة. إني أدينها بأنها تجعل الحياة الوادعة ضربا من المحال. وأنها تضع النهاية لكل فكر هادئ. إن مجرد السماح بقرقعة الكرابيج، هو - في رأيي- دليل واضح على أن الطبيعة البشرية تفتقر إلى العقل والتفكير، فلا يستطيع إنسان - له فكرة أو شبه فكرة في رأسه - أن يتجنب شعور الألم الذي يصيبه من الصوت الحاد المفاجئ لهذه القرقعة، التي تشل المخ، وتمزق خيوط التأمل، وتقتل الأفكار".

وقبل أن نستمر في استعراض مقال (آرثر شوبنهار 1788 -1860) الكاتب الإنجليزي الذي انتظر ثلاثين عاما، قبل أن يبدأ الناس في الاعتراف له بالمكانة التي يستحقها ككاتب جيد. ويعد مقال "الضوضاء"، من مقالاته الشهيرة وهو ليس طويلا كطول مقالات ذلك الزمن، وتعد مقالته هذه هجائية ومتصلة بشكل قوي بالحياة. ويعتبر النقاد أن مقالة "النساء" أيضا من مقالاته المشهورة، وكذلك مقالة أخرى عن "الانتحار".

المقالة عن الضوضاء وما تسببه من إزعاج للناس كافة وللمفكرين خاصة لأنهم يحتاجون مثلما قال الكاتب إلى الهدوء، ومع أنني لا أتفق أن التفكير يحتاج إلى الهدوء، خصوصا للكاتب، فأنا أعرف مثلا أن صادق النيهوم مثلما سمعت منه ذات مرة أن الضوضاء لا تزعجه ولا تقف حائلا دون تسلسل أفكاره، بل بالعكس تجعله أكثر تركيزا.

ولكن ما لفت انتباهي هو تناوله لقرقعة سياط حوذي العربات - يعني: العربيات والكراريس والكاروات والكاليصات - وهي لمن لم يعاصرها أسماء وسائل النقل التي كانت تجرها البهائم - الخيل والحمير والبغال – وكانت حتى أواخر ستينيات القرن الماضي هي وسائل النقل والركوب التي تجوب شوارع بنغازي على سبيل المثال؛ (العربية) كانت لنقل الأسرة، خصوصا السيدات، والكارو هو وسيلة نقل بأربع عجلات، أما (الكروسه) فبعجلتين وغالبا يجرها حمار أو بغل، أما ( الكاليس) فهو وسيلة تنقل عالية القوم، وهو بعجلتين وغالبا ما يكون مزركشا وأنيقا ويقوده حصان. وكانت البنات يمارسن لعبة نط الحبل بين ثلاثتهن مستخدمات أسماء هذه الوسائل يرددنها بتناغم يذكره كل من عاصر تلك الحقبة: "كارو.. كاليس.. عربية" ويتناوبن النط فوق الحبل.

كانت فرقعة السوط الذي يحث البهيمة لا تزعج أحدا، سوى الأطفال الذين يتخذون ما يربط العجلتين الخلفيتين مجلسا لهم. إما للهو أو لنقلة مجانية، وغالبا ما ينبه بقية الأطفال الحوذي: "اللي وراك!"، فيفرقع السوط مرة أو اثنتين معلنا أنه عرف أن أحدا يجلس في الخلف. أما الفرقعة الثالثة فغالبا ما تصل الصبي أو مكان جلوسه.

قطعة جلد مقطعة إلى أجزاء رفيعة للغاية، وطويلة تسمى (المصولا أو الماصوله) وهي تصدر الفرقعة لتنبيه البهيمة إن تقاعست، أو لم تطع أمر الالتفاف، عندها يصل الكرباج جسد البهيمة، التي تعي التنبيه وأن لسعة السوط مؤلمة، فما بالك بالطفل!

في الثمانينات كثر الوافدون إلى ببنغازي، واختلطوا بالسكان وكثيرون منهم ادعوا انهم ليبيون أبا عن جد. كنا ذات يوم بنادي الملاحة شلة تناولنا هذه الظاهرة، فاقترح عبد الحق الورفلي، أن السبيل لمعرفة ادعاء الوافدين هو أن تبرز لهم (الماصولة) ويسألوا عن اسمها ومهمتها. فليس هناك طفل من خمسينيات وستينيات القرن الماضي لا يعرف اسمها، أو لم يجرب لسعتها!

وها أنا بعد هذا العمر الطويل أقرأ للكاتب البريطاني شوبنهارو شكوى كتبها في سنة هي ما بين القرنين الثامن والتاسع عشر، من إزعاج فرقعة الكرباج، ويصف لنا كيف أن (ماصولة) سوط عربة واحدة تزعج شارعا كاملا، يقول: "ومع كل الاحترام الواجب لمذهب (المنفعة) فالحق أني لا أستطيع أن أرى كيف يمنح الحق لرجل ينقل حمل عربة من الحصى أو فضلات الحيوان من مكان إلى آخر، لكي يقتل الأفكار التي لم تر النور وهي على وشك الانبثاق من عشرة آلاف رأس، وهو عدد الناس الذين يقطع عليهم تفكيرهم واحدا بعد الآخر في ظرف ساعة يسوق فيها عربته في المدينة. إن الطرق ونباح الكلاب وصياح الأطفال هي أشياء فظيعة على السمع، ولكن القاتل الحقيقي للأفكار هو قرقعة الكرباج، فمهمتها الوحيدة في الوجود هي أن تفسد عليك لحظة للتفكير الهاديء".

أنا لا أدري ماذا سيقول (شوبنهارو) لو فقط أمضى، هذه الأيام، أسبوعا واحدا في القاهرة التي لم يعد أحد يسمع فيها فرقعة كرباج ولكن سيمفونية متكاملة من أبواق هي في الأساس لمركبات النقل الكبيرة، وأغان هي في الواقع الأقرب إلى الصياح. وكيف يتجرأ ويتهم قرقعة كرباج لطيف! بقطع أفكار "عشرة الآف رأس" هم في الواقع عدد كتبة عرائض الحال فقط، فما بالك بعدد ومكانة كتاب صحف مصر اليومية كافة؟!