Atwasat

السَرّاج قائدا

عبد الكافي المغربي الثلاثاء 30 أكتوبر 2018, 11:59 صباحا
عبد الكافي المغربي

ما كان هذا المقال مني مشايعةً لحزب واحد ضمن المشهد السياسي الراهن، ولكن كان لإملاءات الاتزان، ولأننا نرفض ونناهض الأرثوذكسية الاصطفافية المعينة مسبقا، لأغراض سلطوية امتصاصية المتناغمة إلى حد بعيد مع الأهواء الشعبية والحساسية الانفعالية للصفوف المقابلة، والمعرضة عن التفكير المعتدل والأبية إلا أن تعلن آراءها منددة وبشكل عنيف بالشخصية المدنية التي لا تملك وسائل الترهيب والتي تعاف استعمالها حتى إذا توفرت، وإني واجد في نسيج هذا الموقف الحافل بأسباب الخيبة ومعالم الهزيمة غير محازبٍ، قائدًا كاد أن يكون زعيم مرحلة لو لم يستخدم خصومه كل قواهم التخويفية وأصواتهم التسويقية لتقليص تأثيره. وينبع ما يأتي من تقييم لفائز السرّاج من سيرتي في متابعة السياسة، مطريا للمحسن إذا أحسن، مُعنِّفا للمستبد إذا أساء، ذلك ما دامت الأحداث ورأي الشارع والدول الإقليمية والقوى الغربية تقف حائط صد دون تصوراتي المثالية للقائد الليبي الغائب منذ نصف قرن.

وإني أعلم أني سأبوءُ بغضب الكثيرين، وليس أمامي إلا تقبل الغضب، وربما استبراكُه، إذا انقلب أبناؤنا على آبائهم، وجاءت أجيال الغد بقيم ثورية جاحدة بآثار الأمس، مانحة الامتياز لمعارض الرأي السائد على ما يحتمل من أسباب الضرر، تماما كما يثني الجمهور الفرنسي القارئ بعد الثورة على القاضي إتيان دو لا بويَسي كاتب "مقال في العبودية المختارة" في سن السادسة عشر، معجبين بضيق صدره من وعي مواطنيه في عصر النهضة ويأسه إزاء تهاون الأهالي في المدن والفلاحين في الريف تجاه طغيان البلاط الذي لم يكن قد خسر شيئا من هيبته آنذاك، وكان في حين صدوره أدعى لموجدة المواطن الفرنسي وإلى إدانة الكاتب بالنخبوية والاستعلائية.

ويجب كيما يُدرَك القصد الذي كان هذا المقال لتبليغه أن يستبان الاتجاه المجستيري الذي انتهجته مرغما، وهو أن الشارع الليبي ينبغي ألا يلتمس عنده الرأي، بالخصوص في الوقت الراهن، وأن الخيار الشعبي جدير بتقديم مخرجات شائهة، استبدادية واحتكارية، كما جرى قبل سبتمبر العام 1969 إذ كان الشعب يشكو انصراف تكنوقراط الحكومة عنه وتجاهل الإدارة الإدريسية لمطالبه الثورية التي لم يكن النظام الليبرالي المحافظ في علاقاته الدولية مستعدا لاستيعابها أو مقتنعا بكفايتها، وكذلك كما دلت انتخابات 2012 و 2014 التي أخرجت أجسامًا تتنافس في إثارة الاشمئزاز واستدعاء الاستسخاف لدى الرجل المهذب والشخصية المثقفة.

بيد أن الترياق عندي كما وصفته في أكثر من مقال ملكية دستورية طموحة ومستنيرة تعود فتظل الوطن بوارف ظلالها وتهذب الفرد الليبي بوحْي حكمتها وتسعى في تشذيب الوعي، أو تجري إعادة البناء الشامل للشخصية الليبية حتى تستقيم على جذور متينة الأساس بعيدة الغور، تسمو منها إلى آفاق أرحب للتفكير والعمل. وإذا كان ذلك لا يزال بعيدا فإني قد حذرت ولا أزال وسأقيم على التحذير من تفويض الشعب بانتخاب زعيمه، لأن الرئاسية المباشرة لا تعدو أن تكون وسيلة الغايةُ منها تفريخ جرثومة الاستبداد في المجتمع الشرقي المتخلف، والبرلمانية إذاً تكون خير الشرور المطروحة.

ونحن نريد التلخيص. إذاً لماذا كان السرّاج يصلُح لمرحلة ما بين الحرب والسلم ولِمَ ننفي عن الآخرين صلاحيتهم في مسرح سياسي عنوانه الخيبة والابتذال؟ ليس الرجل بأمير حرب أو بالراديكالي العنيد، ويكاد يكون أكثرَنا مخاصمة للحرب، لم يؤذِ بالتقرب إلى أعتى مجرمي النظام البائد أهالي شهداء الثورة أو هو استدعى غَضَب الكتّاب الرافضين للرجعية، ويجب أن يتعلم العسكر أن يذعنوا للقانون ويطيعوا الزعيم المدني حتى مَن لم يكن شديد المضاء. ولقد استخدم إمكانياته في تخفيف المعاناة عن المواطن السادر بصياغة برنامج بيع العملة الأجنبية لأرباب الأسر وأخيرًا مشروع الإصلاح الاقتصادي وذلك على الرغم من أنه إن لم يصنع شيئا من ذلك ما كان أحد ليملك محاسبته، أو لنتصور الزمام في تصرف منافسيه الذين رفضوا تسليم السلطة والإذعان لقائد أفرزه اتفاق السياسيين، وكان بالفعل في أيديهم عامًا كاملًا، فهل نظرتم إلى ما حققوا؟ كذلك ما زالت وزاراته وأجهزة إدارته تعمل كسرب واحد في كفاح أنا شاهد على بعض ملامحه، وها هي ذي خطط إدارته للإصلاح تترى، والمؤسسات الرسمية تضيق على الفاسدين وأثرياء الأزمة حتى يدركوا يقينا أن ثرواتهم لن تعود قابلة للتضعيف في كازينو المقامرة الليبية، وعثمان عبد الجليل أبرز الأصوات الإصلاحية وأكثر المسؤولين إصرارا يمضي العزم على إصلاح التعليم الفاسد إلى حد مرعب، ويتصدى للمهمة الصعبة جدا بقدر واسع من العناية والصرامة، ويمنح حق الابتعاث للجميع بدون وساطة يُرهِق التماسها، ولو كنا نخشى من اتساع نطاق القرار الذي وقعه عبد الجليل وشموله أن يتهلهل فينحل ويعود كأن لم يكن، فإنا نثني على خطة إنفاق مالنا في فلاحة العقول بالجامعات الكبرى، إذا كان البديل وجود فائض يمتصه الفاسدون.

وربما كانت صورة السرّاج ستغيم وتنتابها الغبشة وتغشاها الظلال إذا كان منافسوه ذوي كفاية مستنيرين، لكنه يسطع في نظري ويتقدم على الآخرين في حكمي لما كان البديل جهّالًا متحسرين على العهد البائد قد جربناهم فرأينا إلى مآلات الوطن من جرائرهم، ورجلا يعرِّف نفسه بأنه أكاديمي ذو نصيب كبير من الثقافة، لم يستقر في صدره أدنى احترام للمواطن، فيقدم نفسه للانتخابات الرئاسية حتى قبل أن يتفق السياسيون وشيوخ البلد على شكل نظام الحكم، أو ابن الطاغية الذي أوردنا المهالك ونغص على الوطن هناءته أربعينَ سنة.

وصحيح إنا نأخذ على الرئاسي ضآلة أهبته لاتخاذ الإجراءات الإصلاحية في الوقت والحين اللذيْن كان يجب أن تخف فيهما الحكومة إلى التصدي للتشكيلات العصابية، فهي الدول العربية والغربية المؤتمرة بالوطن والظروف الداخلية المانعة أيضا يجب أن تُسأل، فإن الظروف ذاتها أعاقت الجبابرة من بني عباد عن إعادة توحيد النصيب العربي من أوروبا، ونابليون من أن يحول بين جيوشه وعزمها أن تخلي الأراضي الروسية في أكثر مشاهد الانسحاب دلالة على الخيبة وغياب التخطيط الميداني، وسدد جنوده بذلك الانسحاب المثير للرثاء لكمة الواقع لمزاعم استثنائية الطاغية نابليون أو عبقريته.

الحق أنه ليس أبرع السياسيين أو العسكريين بقادر على تجاوز تحديات جمة كالتحديات التي تعرِضها أزمة طرابلس بدون أن يصل إلى أمر وسط بين تقنين الميليشيات بأشكالها الماثلة في الوقت الحاضر وبين تدمير العاصمة في حرب شاملة لاستئصالها، ولولا أننا نملك ترف التخير في طرابلس فالحالة هنا غير حرجة وليست بتعقيد الوضع في بنغازي قبل العام 2014، وآنذاك كنا نقبل باصطفاف قادة الميليشيات مع كتائب العسكريين في مواجهة التطرف، وكنا سنقلب المدنيين عسكريين، بالتحديد كما تم عندما مُنِحَت رُتَب عسكرية لمدنيين كثيرين في برقة، نعم لولا أننا من عافية البال نتخير ونطيل الفحص والمشهد المشحون بتضارب أغراض الإعلام وفوضى الآراء يؤلب على جهة محددة دون غيرها لكنا رأينا في تشكيل الحرس الرئاسي وانضواء الميليشيات أفرادا في الأجهزة الشرطية خير وسيلة لغاية هي استقرار الأمة واستكمال موجبات المرحلة الانتقالية.

لا نعرف كيف يجري التحول إلى المستقبل على وجه اليقين، غير أن الأمة الليبية إذا ما كان لها أن تزدهر وينعتق شعبها من أعباء الفقر والجهل، ينبغي أولا أن نُعْجز أُليغركية عسكرية حاكمة من تكبيل الوطن بعهد يمتد طولا من حكم القاصرين وغير الأكفاء، الطغاة والفاسدين، ويجب أن يتجه الدعم الشعبي للتيار المدني مهما يكن مراوحا أو مثيرا للشفقة، ذلك أن المدنيين إذا ما انحرفوا يمكن تأديبهم بأكثر من خيار، بينما لا تستطيع إلا الدبابة تأديب العسكريين إذا اشتد طغيانهم.