Atwasat

المرابطون الأسياد (11): من حواشي التاريخ

سالم قنيبر الخميس 25 أكتوبر 2018, 11:09 صباحا
سالم قنيبر

العلامات المحفورة المُقدَّسة – كتابة التاريخ
الكتابة. هي التاريخ.. والكتابة تعني القراءة، وما يكتب هو الذي سيقرأ. وصَوَّر أولئك القوم ونقشوا، لكن المتغيرات الطبيعية التي أودت باستقرارهم لم تمهلهم حتى يتوصلوا إلى"العلامات المحفورة المقدسة" إلى الكتابة. وتفرقـت تجمعاتهم راحلة، شرقا وغربا أو انزاحوا مع الغابات إلى بعد عميق باتجاه الجنوب.

وكان التاريخ آنذاك، قد بدت معالم له في الظهور على ضفتي نهر النيل. توحد الوجهان القبلي والبحري، وشملهما نظام للحكم واحد. عاصمتان لتاج واحد، طيبة وممفيس. ونائبان وزيران، لصاحب التاج، وولاة للأقاليم، وكتبة إداريون مساعدون، جامعو ضرائب، يحسبون ويسجلون ويكتبون. ألواح من الخشب، أو المرمر، والحجر الجيري، وأخرى صنعت من الطين، واتخذوا من ورق نبات البردي صحائف لرسائلهم، ومُدوَّناتهم، وتحولت جدران وأعمدة المقابر والمعابد والمسلات، إلى ألواح ضخمة لحفر العلامات المقدسة والرسوم.
ونشأت المدارس لتعليم الكتابة والحساب وتخريج عمال الدولة من الكُتَّاب.

وبرع المصريون في علوم كثيرة، وفنون كثيرة، في الهندسة والمعمار والطب، واتسعت عندهم أعمال الزراعة وتربية المواشي. وهبهم النيل الخير العميم، ومنحهم الأمن والاستقرار، فتوجهوا بقدراتهم إلى ما يُنمِّي وسائل معيشتهم ويرقى بأسباب حياتهم.
ونعود بالحديث إلى موقعه، إلى المنطقة التي تقع غرب مصر، بلاد التحنو.

تلك أول المعالم التي نعثر عليها في سجلات التاريخ.. ولم يكن شعب التحنو يحظى بالذكر الحسن في تلك المحفوظات. الألواح الطينية والجيرية كذلك أوراق البردي، وجدران المعابد وأعمدتها، لا تزال نقوشها تروي أخبار انتصار كبار الفراعنة ملوك مصر، وصد هجمات الشعوب المغيرة القادمة من الغرب، ولا تزال أصداء "أناشيد النصر"، تبعث بها هياكل المعابد المتبقية ويرددها وادي الملوك المطل على ضفاف النيل.

ازدياد الجفاف، وندرة الأمطار، أوجد مساحات كبيرة من الصحراء عازلة، بين جبال نفوسة غربا والجبل الأخضر شرقا. ودفع بسكان المنطقة الشرقية إلى هجرات متعاقبة متتالية باتجاه وادي النيل حيث الخصب، ووفرة الماء والغذاء، اتخذت طابع الغزو في بعض الأحيان، وكانت تواجه من قبل الملوك الفراعنة الأقوياء. وكان بعضها ينجح في الاستقرار، وكثيرا ما كانت هجماتها تبعث بالرعب، وتروع الآمنين المستقرين من السكان. ذلك ما قالت به المصادر المصرية المكتوبة على الألواح في ذلك الزمان.

التاريخ المصري القديم، يستغرق فترة زمنية طويلة، تسبق الميلاد بثلاثة آلاف عام. قُسِّم إلى عهود ثلاثة، مملكة قديمة، ووسطى، وحديثة، تضم ثلاثين أسرة حاكمة، موزعة بتتابعها وأسماء ملوكها وأحداثها على تلك الفترات. وعلى اتساع ذلك المدى الزمني، لا تكاد تخلو مرحلة من المراحل التي سجلت أحداثها، من ذكر لغزو تم صده آت من بلاد التحنو، ثم الريبو، والمشواش.

أهل قبائل التحنو، المنتشرون في غرب الضفة الغربية للنيل، طوال القامة سمر الوجوه، ذوو الشعر المجعد. قبل توحيد الوجهين، كان التحنو يوجهون هجماتهم تجاه مصر، وتواصلـت غاراتهم على المدى الزمني الذي حدد للدولتين القديمة والمتوسطة (أربعة عشر قرنا تقريبا). وكانت معظم آثار المصريين المتبقية من تلك الفترة الطويلة، تخبر عن عمل قام به ملوكهم لصد هجمات تلك القبائل المغيرة، أو انتصار حققوه، وغنائم استولوا عليها، رجال ونساء، وماشية .. ثيران وأغنام وحمير.
التمحو، قبائل مهاجرة من أوربا، شقر، بيض الوجوه، عيونهم زرقاء، كانوا يعيشون جنوب منطقة التحنو، ويكثر ذكرهم ضمن تلك الأحداث.

وتزداد هجرة القبائل من جنوب أوربا وجزر البحر، إلى الشمال الإفريقي مندفعة نحو الشرق خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، مطاردة من قبائل وسط أوربا. فتتحالف مع القبائل المستوطنة متخذة وجهتها نحو وادي النيل. وكانت قبائل الريبـــو التي تجاور غربا موطن التحنو قائدة هذا التحالف الذي أجبرت التحنو على المشاركة فيه. لكن الغزو يقابل بمواجهة تم الاستعداد الكبير لها، من قبل الفرعون مرنبتاح (منفتاح ) 1227 ق.م.

وتحدثت ألواح المصريين ونقوش معابدهم والأعمدة كثيرا وعبّـــرت عما أشاعه ذلك الانتصار في نفوسهم من الفرح والراحة الاطمئنان. لكن ذلك الانتصار الذي بولغ في وصفه، لم يكن حاسما كما دلت الأحداث التي جرت بعد ذلك، جماعات وأفواج من قبائل الغرب كانت تتسلل أو هي تنقض على أطراف الدلتا وتقوم بنهب مدنها، والإقامة في جوارها.. وتتزعم المشواش، ثالث كبرى قبائل الغرب، قيادة حملة جديدة، يشارك فيها الريبو أو الليبو والتحنو وقبائل البحر (1187 ق.م.) . وكان تحالف القبائل هذا، كما أخبرت عنه الألواح المصرية قد ضم جميع القبائل الذين يعيشون بين ضفة النيل الغربية ومنحنى البحر العظيم. (خليج سرت) واتخذوا شعارا لهم "إننا سنقيم في مصر". وتصدى لهم رمسيس الثالث، تقول المصادر المصرية، فانقض جيشه عليهم، فهزمهم، ولاذوا في الصحراء إلى الفرار.

ولم يتوقف تدفق قبائل الغرب على وادي النيل، كانت جماعاتهم تفد على الوادي الخصيب "تطلب القوت لبطونها"، كما ورد عنهم في الكتابات المصرية. وكثيرا ما كانوا يتمكنون من الاستقرار. فيحتضنهم النيل العظيم وييسر لهم السبيل إلي رغد العيش والاسترخاء.. والامتزاج مع نسيج شعبه المتميز بخصائصه المتكونة عبر امتداد بعد عميق.. وكان أن تمكن المشواش والريبو والتحنو الذين أقاموا في مصر، من الوصول إلى عرش مصر، وأعلن شيشنق نفسه فرعونا لمصر، (945 ق.م.) بعد وفاة آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين، مفتتحا حكم الأسرتين الليبيتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين.

ذلك ما يمكن استخلاصه من مخلفات ذلك الزمان المصرية، ونحن بصدد متابعة للوجود البشري الذي كان، فوق هذا المكان. قبائل متنقلة راحلة، تفتقد الاستقرار، تتجه مُجَـزّأة أو مُجَمّعة.. إلى المصدر الدائم للـمياه بمقصد للاستيطان، وقد تتمكن من الاستقرار، وقد تُصَدُّ، تحدثت عنها المصادر المصرية ضمن ما يعني مصر ويخصها من الشئون والحوادث والأحداث ثم يختفي ذكرها بعد ذلك ولا تعود تظهر أو تبين.
إنه حديث عن التاريخ، وليس كتابة تاريخ.. هذا الذي نحن بصدده. إنها المتابعة لوجود بشري غير مستقر، غير متضح المعالم، يظهر متداخلا، يدلل على وجوده فضلات من المخلفات المحلية. أو تخبر عنه نقوش وكتابات هياكل
المنحوتات المصرية.

الهوامش
مصر القديمة ـ سليم حسن ج7 ص 80 – 86.
ـ التاريخ الليبي القديم ـ عبد اللطيف البرغوثي ص 122 ـ 126
ـ أنظر تاريخ أول مصر ـ جيمس بريستيد ج2 ص 526 – 536.