Atwasat

الطير جاي

علي المجبري الثلاثاء 23 أكتوبر 2018, 01:34 مساء
علي المجبري

خلال كرنفال للتزلج أقيم بإحدى الدول الباردة، جاء إلى مقر إقامة الوفود رجلٌ بمظهر جاد ربما تجاوز الخمسين من عمره، وعرض على المتزلّجين والمتزلجات أنه سيقلّهم كل صباح بحافلته لمشاهدة الطيور الجميلة التي تزين المساحات البيضاء الشاسعة، فأبهرتهم فكرة الطيور واتفقوا معه على أن يقلّهم على دفعات طوال أيام المهرجان.

في الصباح الباكر وبعد أن ركبت معه أول مجموعة وكانوا قد سددوا له المبلغ المتفق عليه مقدّما حسب طلب السائق، سار بهم عبر طريق بدائي يخترق السطائح الجليدية وكان طوال الطريق يحكي ويشرح عن الطيور التي تعيش في المنطقة بأنواعها وأحجامها وألوانها لكنهم لم يشاهدوا أي طائر!! عندها سأله أحد المتزلجين الذين كانوا معه في الحافلة:

- "سيدي لقد سرنا مسافة طويلة ولم نرَ أي طائر". فأجابهم:
- "لا تستعجلوا ستشاهدون هنا الكثير من الطيور وسترون حتى طائرَ نقار الخشب". فقالت له إحدى المتزلجات:
- "كيف سنشاهد طائر نقار الخشب ولا توجد شجرة واحدة هنا لينقرها!!". فأجابها:
- "لا لا، أخبرني جَدي قبل أن يموت أنه يتذكر أشجارا كثيرة كانت هنا منذ خمسين عاما، لذلك لا بد من وجود نقَّارِ خشبٍ ينقرها"!. وبعد أن سار بهم كثيرا قالوا له:
- "سيدي نحن لم نشاهد أي طائر!".. فأجابهم:
- "يبدو أنها طارت من هنا، لا تستغربوا! الطيور تطير أليس كذلك !؟ ربما هي الآن في مكان آخر وقد يعثر عليها من سيأتي معي في الرحلة القادمة".

وعندما رجعوا مُنهكين من رحلتهم القاحلة التي لم يشاهدوا فيها غير بياض الجليد وجدوا باقي الوفود قد أنهوا للتو أكل لحم الشواء في الهواء الطلق وكانوا ما يزالون يمرحون ويضحكون ويتبادلون الفرح والأنخاب ونقودهم مُصانة في جيوبهم الدافئة!.

عندها، قفزت من باب الحافلة المتزلجة التي استنكرت منذ ساعات وجود طائر نقار خشب في منطقة لا خشب فيها وسط دهشة وصمت رفاقها في الرحلة، وأسرعت باتجاه المحتفلين قافزةً تحرك ذراعيها الممدودتين كجناحيّ طائر كبير، لتقول للمحتفلين في الهواء الطلق وقد أظهرت سعادة لا توصف:

- "أيها السادة لقد أمضينا أجمل ست ساعات في حياتنا والمحظوظ منكم من يستيقظ غدا باكرا ليستقلَّ الحافلة أولا؛ سترون أجمل الطيور، وستقدم لكم أسرابُها أجملَ الاستعراضات وسترقص ترحيبا بمقدمكم، وستشاهدون حتى طائرَ نقار الخشب وهو يعزف إيقاعاتٍ أقسم أنكم لم تسمعوا مثلها من قبل"!.

ولم تكد تنتهي من كلمتها الزاخرة بالريش والألوان، حتى ألقَى المحتفلون كؤوسَهم عاليا في الهواء مأخوذين بوصفها مسحورين بسحر الطيور، فشكّلوا بأجسادهم الدوائر، وتقافزوا بكل حماسة تتموّج أذرعتُهم الممدودة إلى الجانبين بلا توقف.

وبينما هم يُحاكون أجنحةَ الطيور، كان السائقُ الجادّ يُحصي النقودَ التي سيكسبها طوال الأيام القادمة وهو يرى المتزلجين يحتفلون بيوم الطيور الذي ابتكروه للتو، منتظرين الصبحَ القادم ليركبوا حافلةَ الأحلام.