Atwasat

أهمية أن تكتب، أهمية الحدث!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 23 أكتوبر 2018, 12:48 مساء
أحمد الفيتوري

1-

ما الذي يجعل حدثاً ما الحدث؟ وما الحدث الذي يثير من الالتباسات رغم أنه التجلي؟ وما الحدث الذي يخرج عن سياقه ويُفجر سياقات ليست في مضماره؟ وما، ثم ما، وهكذا دواليك. أظن والظن هنا والآن في محل الوثوق الطارد للشكوك، أن الإجماع البشري جعل قتل إنسانٍ الحدث، منذ مقتل هابيل على يد قابيل وفي كل الأساطير وكل الحقائق الإنسانية مقتل إنسان الحدث، أما التفاصيل فهي نواتج تأتي في محل التعليق عليه.

التراجيديا كمصطلح إغريقي نابه ترجمه ابن رشد بالفواجع، جسده شكسبير في مقتل إنسان: أب هاملت، ديدمونة قتيلة عطيل... وهلم، وفي كل التراث الإنساني صغر أم كبر هذه هي التراجيديا/ الحدث. لكن مقتل هاملت أو هابيل وظف أو فسر بمعطيات مختلفة باختلاف البشر ورؤاهم ومصالحهم وحتى غبائهم. لم لا، وقد تحول هابيل مثلا كرمز للقتيل ظلما عند كثير من البشر فيما بات مقتل أب هاملت رمزا للغدر... ودواليك، ومن هذا وذاك الحدث القابل أن يثير الالتباسات وتفجير السياقات خارج سياقه: قتل إنسان ما يعد ظلما ولو أن هذا الظلم وصم بالقدر كما قتل أوديب لأبيه، فقتل نفس كأنما قتل للبشر كافة.

فإذا ما كان القتيلُ صاحب لسان ما طلب صونه فإن القتيل هذا كما قتل الأنبياء، فالقول سلاح للذود عن الحياة هو حق بشري لأنه ما جعل من الإنسان إنسانا، وأظهره عن البكم من الكائنات الأعاجم، وقد تبين حق القول للبشر كحق من تبين أهميته في الذود عن الحياة عند كافة البشر وإن بدرجات.هذا التأمل تستدعيه الفواجع: تراجيديا مقتل إنسان سلاحهُ لسان، مضماره الحجة بالحجة والبينة على من أدعى، ومن هذا وبه فالقتيل الحق لأن البشرية كي تذود عن الحياة جعلت اللسان الحق.

هذا المبتدأ ما يستوجبُ الخبر الذي هو سيان فقال فلان أو علان لا يستوجب رفع سلاح بل إطلاق لسان، وإذا ما تم إشهار سلاح في وجه قائل كأنه القتل، أما قتل قائل كما قتل الرسل الخطيئة الأولى والأخيرة، وهذا ما يستعيد البديهيات ما تكفل الاجتماع البشري بشجبها.

2-
الحقيقة المرةّ قتلُ صاحب الرأي، قتلُ كاتبٍ لم يتم للمرة الأولى وللأسف ليس أيضا الأخيرة، لكن في كل مرة استقبح واستهجن وكان العار الإنساني، فمقتل ابن المقفع أو سجن غاليليو عُد ويعد وسيعد من مثالب البشر التي واجب الإنسانية أن تتخطاه، وهو الحدث الذي لم يُنسَ ولن... والدرس الأول أنه: شُبه لهم وما قتلوه صاحب الرأي، فمقتله كمقتل المسيح يشيع به وبفكره لسماء الفكر ويبقي كرمز للبشر، وما قال حتى في خطله يكون الدرس، والكُتب شخصهُ وقد توزع فيها وبها بات المُعلم، فرأس المال الرمزي لا يبيد حتى وإن كسد سوقه وبات في المكتبات،عندها يُعد من الذخائر البشرية ما تخطته لكنها تأسست عليه فأمسى من تاريخ الأفكار.

3-
مقتل جمال الخاشقجي كمقتل أي صاحب رأي لم يمت رأيه وإن مات صاحبه، بل إن مقتله يروج رأيه ويجعله حيا كما لم يحيَ، وقد قال قائل أن الخاشقجي لو عاش مئة عام يقول ما يقول لما وصل قوله لما وصله في أيام مقتله.

موتُ جمال موتُ كاتب: ما بعد الربيع العربي في عصر الإنترنت.

بغض النظر عن تفاصيل الجريمة ودوافعها وتوابعها فإن قتلَ جمال الخاشقجي لا يشبه مقتل فرج فوده ولا أحد غيره، لأن الربيع العربي بحر يموج ولأن العصر غير العصر، ومن هذا فإن الركمجة أي ركوب الموجة التي تتم من قبل هذا أو ذاك لهذا الحدث كمن ركب موج الربيع العربي ساعة حدوثه، وفي هذا السياق في ظني يجيء مقتل هذا الكاتب/ الحدث. وليس بالإمكان ولا يهم مقالي الولوج في تفاصيل ما حدث وقد تفرغ عالم الميديا وساسة كُثر لذلك، ولن يمكن أن أضيف بإمكانياتي المتواضعة شيئا ذا بال.
لكن الظاهر أن ما يُراد جعل الجريمة كما جريمة العصر غير أنها جريمة قتل إنسان ما هي جريمة كبرى كما أوضحنا في تأملاتنا، وأنها جريمة لوأد رأي ما يستحيل وأدهُ كما يبين تاريخ البشر.

وإذا كان الشيطان يكمن في التفاصيل فإن تفاصيل هذه الجريمة لا شيطان لها لأن الحدث يجبّ كل ما قبل، أما ما بعد فأكثر تعقيد من أن يستشرف.