Atwasat

كعكةُ القذافي/ فبراير المسمومة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 25 سبتمبر 2018, 12:55 مساء
أحمد الفيتوري

1-
قيل أن الديكتاتور القذافي جمع مرة شخصيات من سكان طرابلس عقب مظاهرات في مدينة بنغازي، وحذر الجمع أن يفكر أحد في التظاهر أو حتى أن يخطر ذلك كخاطرة، بل وقيل أرعد وأزبد في حنق وحقد مهددا بأن يدك المدينة بالمدافع ويكتسحها بالدبابات، مُرددا بغضب أسود وفي ما يشبه غياب الوعي: إلا طرابلس.
تذكرت ذلك حين مشاهدتي كلمة أخيرة لفائز السراج.

مدهش فائز السراج لقد احتاج إلى الفترة بين ديسمبر 2015 حين إعلان رئاسته للمجلس الرئاسي وسبتمبر 2018 كي يغضب ويصرخ، إثر اندلاع القتال الأخير في طرابلس التي منذ عودته الميمونة إليها على (فرقاطة) شاهدت معارك وتطاحنات أشهرها معركة مايو 2017.

مدهش فائز السراج هذا من صرخ بما معناه لقد استنفدوا كل الأساليب لإسقاطي وهاهم يلجئون إلى آخر الدواء غزو الجبل الذي يؤويني. وفي هذا من شابه أباه فما ظلم، فالساسة في الزمان الماضي والآتي لا يألون جهدا على التمترس في مناصبهم إلا من رحم ربي، وأما فيما يخص دهشتي فالرجل جاء بغتة ولم يراهن أحد على بقائه لفترة وجيزة، والسراج في هذا وغيره مدهش لكن الأكثر إدهاشاً أن يستعير جملة العقيد معمر القذافي: إلا طرابلس.

كعكة القذافي هذه سرعان ما أصبحت غب 17 فبراير2011 كعكة فبراير، في اللحظات الأولى جاء الأخ بأخيه أو ابن أخيه لينصبه، وفي اللحظة الاستثنائية وليلة سقوط طرابلس هج جمع فبراير المتمثل في (المجلس الوطني) وأتباعه عما سموها (عاصمة الثورة)، هجوا زحفا وقفزا وطيرانا وبحرا إلي عاصمة (البنك المركزي) وعندئذ غدت العاصمة ساحة حرب الأخوة الأعداء، وعندئذ شعار القذافي الأشهر (السلطة والثروة والسلاح في يد الشعب) تحول على الأرض إلى أن من عنده السلاح عنده السلطة ومن عنده السلطة عنده الثروة، في ليبيا كما في الدول الريعية السلطة سبيل الثروة.

كعكة فبراير كعكة مسمومة سمُّها القذافي من استحوذ على العاصمة وثالوثها: السلاح والسلطة والثروة.
ولهذا محليا وساعة النجاح في إسقاط القذافي بدأ ورثته في حربهم من أجل الاستحواذ على الكعكة.

2-

لم يُخفِ أحد هدفه كما لم يُخفِ أحد وسائله كان اللعب على المكشوف فغدت العاصمة المراد من كل من مراده السلطة والثروة ومن لزوم ما يلزم السلاح، ولأجل ذلك حولت (عاصمة الثورة) إلى (عاصمة الاقتتال) منذ اللحظة الأولى كساحة للمعركة إلى الهدف (العاصمة)، إن حسم المعركة في الأطراف بالضرورة خاتمته مسك العاصمة، حتى أن الامبريالية الإيطالية مهدت لاحتلال العاصمة الليبية باحتلال طبرق وازوارة فبنغازي...

إن الجيو سياسي للدول فرضيته أن لا سيطرة على بلاد دون السيطرة على مركزها ما سمي بالعاصمة، وذلك حتى قبل أن تظهر الدول في العصر الحديث، ومن هذا لجأ (المجلس الوطني الانتقالي) الليبي في لحظاته الأولى إلى العاصمة، ثم إن القوى السياسية الدينية (الإخوان وحلفاءهم) والمصراتيه وحلفاءها ما عُرفت بـ (فجر ليبيا) استحوذت بدعم خارجي على (العاصمة)، بهذا باتت القوى الأبرز والأهم ووجدت الدعم الإقليمي والدولي منذها بشكل واضح وقوي.

ما سُمي باتفاق الصخيرات هو كما تكريس للحاصل على الأرض قبل به (امحمد شعيب) رئيس وفد مجلس النواب للحوار الوطني والنائب الأول السابق لرئيس البرلمان.

المدهش أن فائز السراج ناتج هذا الأمر الواقع وعلى ذلك القوى المستبعدة ستقاتله بكل الأساليب الممكنة، والهدف الذي على الطاولة هو هدف تقاتل الليبيون من أجله منذ الساعات الأولي ليوم 17 فبراير 2017م إسقاط النظام (القذافي) يعني الاستيلاء على السلاح والسلطة والثروة، والمشكل أن ذلكم لم يتم حسمه بأي سبيل كان ولم يعمل الإقليمي والدولي على المساعدة من أجل حسمه، بل منذ المساهمة في إسقاط النظام أمسى التدخل الدولي والإقليمي مساهما أساسا في تفاقم الوضع، وأما الأمم المتحدة فدورها كما حكم مباراة الملاكمة تسجيل النقاط وانتظار الضربة القاضية ناهيك على بقية المنظمات..

3-

طرابلس عاصمة البلاد وأي اقتتال في أطرافها قتال حولها وفي الأخير لأجلها، فالقتال فيها مهما تم تأجيل ذلكم، وما المعارك التي تدور منذ أواخر أغسطس 2018م وحتى كتابة المقال إلا إخراج الأرنب من قبعة الساحر، ومثال ذلكم أن بيان الانقلاب العسكري ليلة الفاتح سبتمبر 1969م قُرأ من إذاعة بنغازي بعد الاستيلاء عليها لكن الاستيلاء على السلطة في البلاد تمت بعد التوكد من الاستيلاء على طرابلس.

وما يستدعي تكرار البديهة هذه أنها دامغة فتدوخ، فالحرب لن تضع أوزارها ولن تكون الدولة إلا بعد انتهاء المعركة الرئيسة التي دعيت في 20 أغسطس 2011م بـ (تحرير طرابلس).

هذه البديهة الدامغة مدعاة أن صرخ فائز السراج بعد سنوات ثلاث من الطمأنينة لواقع الحال. إذا الانتخابات وصندوق الاقتراع هو الوسيلة الوحيدة الممكنة لتتفادى العاصمة ما لا يلزم (الحرب)، وهذا من لزوم ما يلزم للدولة الليبية.

ما يستدعي تكرار البديهة هذه أنها دامغة لا طرابلس دون ليبيا ولا ليبيا دون طرابلس، والعراك الذي يدور حول ليبيا يدور حول طرابلس سواء كان في سبها أو بنغازي أو في (خلة الفرجان): طرابلس خلة ليبيا.