Atwasat

جزيرة البجع وأشياء أخرى

محمد عقيلة العمامي الإثنين 24 سبتمبر 2018, 12:15 مساء
محمد عقيلة العمامي

قالوا عن أحد أصدقائي: "الشهور العربية عنده هي: رجب، شعبان.. واليونان". كان لا يحلو له، مثلما يقول، الصيام إلاّ هناك. أما أنا فمنذ الستينيات ما إن يتوفر لي ثمن التذكرة، التي كانت فيما أذكر 27 جنيها، وبضعة دولارات حتى أطير إليها. كان للموسيقى اليونانية صدى عميق في روحي، أهيم مع إيقاعها، ويأخذني شجن الكلمات اليونانية، التي عرفت الكثير منها. وما زلت أطرب للبزوكا اليونانية، وأستمتع كثيرا بالقهوة اليونانية، التي إن وددت أن أناكف (ستفروس) صاحب مقهى (إنوفتا) أقول له: "هات لي قهوة تركية.." حينها يصفق منضدتي بمنشفه، ويقول لي محتدا: "القهوة عندنا يونانية.. وليس هناك قهوة تركية" وأزيد من إثارته وأحدثه عن السلطان عبد الحميد الذي كان يعشق القهوة، وكان مما اشترطه أن يأخذها معه إلى منفاه في (سولونيك).

زرت الكثير من جزرها، وعدت من جزيرة (رودس) سنة1986 محمولا على نقالة، فلقد كسر لي جندي أمريكي ضلعين على أثر نقاش أعقب نكبة 1967. ولكنني لم أزر جزيرة (ميكونوس)، التي كانت في الثمانينيات سيئة السمعة، بسبب أن هيئة السياحة اليونانية اتفقت مع بلديتها على إنشاء نواد للعراة، فقامت حينها معركة حامية ما بين حكومة (جورج باباندريو) وبين الكنيسة اليونانية، وأعتقد أن الصراع انتهى بتخصيص بضعة أماكن لهذا المشروع العاري جدا. لقد تذكرتها الآن بسبب مقال لطيف قرأته عنها، فبحثت لأكتشفت أنها أصبحت قبلة عالمية بسبب طبيعتها الخلابة، ومستوى الخدمات التي تقدمها للسواح، ويقال أن شهرتها لم تعد بسبب نوادي العراة، ولكنني لم أصدق ذلك بسبب التركيز الدعائي على السواح العرب! وكيفما يكون الأمر فلقد رجحت أن الاقتصاد انتصر على الكنيسة، فصور المنتجعات والفنادق، وطواحين الهواء باللونين الأبيض و الأزرق ومقاهي الاسترخاء توكد ذلك.
المقال الذي قرأته يتحدث عن ذَكَر بجع ظل طريق هجرته إلى أفريقيا، سنة 1955 إذ يبدو أنه تخلف عن سربه، من بعد راحته المعتادة في بحر إيجه، فوجد نفسه على حافة قارب صيد سمك في جزيرة (ميكونوس) يملكه (ثيودوروس) المحب للحيوانات، والطيور، خصوصا وأن البجع خلدها الشاعر هوميروس في أشعاره. اعتني (ثيودوروس) بهذا الطائر حتى بها تعافى، وطاب له المقام وصار يتنزه في شوارع الجزيرة وباراتها يقتات مما يتقرب به الناس إليه، فلقد ساد اعتقاد أنه بركة حلت على جزيرتهم، وربطوا صيدا وفيرا تحقق عند قدومه بهذه البركة.
ولكن ما إن تعافى الطير حتى اختفى، خلال موسم هجراته، ولكن يبدو لم يعد يطيق الطيران المجهد الطويل، فنزل في جزيرة مجاورة اسمها (ثينوس) فاستشاط مواطنو جزيرة ميكونوس غضبا، واشتعلت حرب كلامية عرفت "بحرب البجعة" ولم ينتهِ الأمر إلاّ بتدخل حاكم جزر (سيلازيس) التي تشمل الجزيرتين واستلمت ميكونوس البجعة، التي اسموها ( بيتروس) تخليدا لبطل من الجزيرة أعدمه النازيون. لقد استقبل سكان ميكونوس، في الميناء، البجعة استقبال الأبطال وزينت المنطقة وارتدى الأطفال أفضل ملابسهم وبدا الأمر وكأنه عيد قومي، حتى إن راعي الكنيسة تبرع لهم ببرميل من نبيذ معتق.
ولكنهم لاحظوا حزنا واضحا على بيتروس، خصوصا من بعد أن قصه ( ثيودوروس) مؤكدا أن سحب بعض من ريش جناحية لن يمكنه من الطيران وزيادة في الاحتياط ربطوا قطعة معدنية حول إحدى قائمتيه مكتوب عليها (ديموس ميكونيون وشهرته بيتر، مواطن من جزيرة ميكونوس).
انتبهوا إلى أنه مكتئب بسبب عدم قدرته للمشاركة في موسم التزاوج، فحك حاكم الجزيرة رأسه، من بعد أن رفع قبعته البحرية، ثم أشعل غليونه وقال: علينا أن ندبر له في شريكة.." فقال ثيودوروس المحب للحيوانات والطيور: "ولكن حفلات تزاوج البجع جماعية." فقال الحاكم: "نحضر له عددا من الإناث..". قاطعة كاهن كنيسة الميناء: "ديننا لا يسمح بتعدد الزوجات وبيتر واحد منا، وإلاّ ما جلب لنا البركة.. "حك الحاكم رأسه مرة أخرى، وقذف في جوفه كأس أوزو، وقال: "نجلب له اثنتين ويختار واحدة منهما ونعود بالثانية من بعد أن تنتهى المهمة.." وهذا ما حدث فلقد وصل يوم 2/12/ 1961 قفصان مربوطين بشريطين أحمرين لرفقة (بيتر) واحدة أسموها (أيريني) ومعناها السلام والثانية (أوميجا). ودقت نواقيس الكنائس وأطلقت الألعاب النارية وعلقت الأعلام ابتهاجا بهذه المناسبة. وانتبه بيتر لأهميته، وأخذ يتفنن في الظهور أمام آلات التصوير ولم يعد يستجدى طعامه بل يقفز على حجر أية سائحة يختارها فتطعمه سمكا طازجا بأناملها الرقيقة. بيتر يأكل في اليوم الواحد حتى تسعة كيلو جرامات من السمك، خصوصا التريليا.
صارت لذكر البجع هدا أيقونات تباع للسواح باعتبار أنها جالبة للحظ، ونقش بأطباق، وصارت صوره مع آثار الأكروبولس بكتيبات السياحة. يقال أن بيتر ما زال حيا، ففصيلته تعيش حتى أربعين عاما. ولم يعد أحد يهتم بنوادي العراة إلاّ السواح العرب!.