Atwasat

عن المنصوب عليهم

جمعة بوكليب الإثنين 24 سبتمبر 2018, 12:13 مساء
جمعة بوكليب

كان أبي رحمه الله من علمني صيد الطيور بالفخاخ محلية الصنع (الطربيقة). كان ذلك في وقت مبكر جداً من عمري. كنا قد انتقلنا للسكنى في بيت قديم يقع خلف مكان كان يطلق عليه اسم ( كوشة الإنجليز) مقابل للمقبرة اليهودية وملعب نادي الاتحاد والمصيف العسكري وكان يحيط ببيتنا براح واسع من فضاء كثير عشبه. ذات مساء صيفي أحضر أبي "طربيقه" معه للبيت وقال لي في المساء سوف نخرج معا لأعلمك كيف تصطاد العصافير

حين طالت قامتي قليلاً، كنت قد تعلمت صيد الطيور، وبدأت في الخروج مع صحبتي من الصبيان لصيدها. لم أكن أعرف لماذا كنا نطلق على عملية الصيد اسم "النصب" ولم يقل لي أحد ما معنى الكلمة، وكنت أظنها مفردة من مفردات اللهجة المحكية. لكني تبينت في مرحلة عمرية متقدمة أن الكلمة عربية صحيحة وتعني "الحيلة والخداع."

تأكد لي أن استعارة اللسان المحلي الدارج للكلمة واستخدامها في صيد الطيور كان صحيحاً وحكيماً وذكياً في وقت واحد، وبالتالي حين كنا صغاراً في طريقنا لصيد الطيور كنا نقول باللسان المحلي الدارج "نمشوا ننصبوا" أي وكأننا كنا نقول بالعربي الفصيح سنذهب للاحتيال على الطيور بصيدها!.
صيد الطيور في حقيقة الأمر عملية خداع من الدرجة الأولى، وكذلك كل عمليات الصيد مهما اختلفت. ذلك أن الصياد كان يعد عدته وما يلزم من ديدان لتكون الطعم ثم يقوم باختيار مكان وضع "الطربيقة" ويضع الطعم (دودة حية) في "الطربيقه" ثم يقوم باخفائها بالتراب مبقيا على الدودة -الطعم واضحة تتحرك وهي ممسوكة من منتصفها بقطعة سعف رقيقة جداً، وبعدها يقوم برصد الطيور ومتى رأى أحدها يحوم طائرا من بعيد يتحرك الصياد متخفياً لكي يوجه الطير بحذر نحو مكان "الطربيقه" ليتمكن من رؤية الطعم والطيران نحوه ومحاولة الحصول عليه، ولدى اقترابه منه تنطلق "الطربيقة" مطبقة عليه. أليس هذا خداعا واحتيالا؟.
النصب أنواع كثيرة جداً، وأينما حطت بك قدماك في دنيا الله الواسعة سوف بالتأكيد تلتقي بمن يحاول النصب عليك. والنصّابون من الجنسين على اختلاف جنسياتهم لا يستخدمون العنف في تحقيق أهدافهم بل يعتمدون على الحيلة والخداع في تشتيت ذهن ضحيتهم بألاعيبهم الكلامية وغيرها حتى يتمكنوا من كسب ثقته قبل افتراسه. ويكثر وجودهم في المدن لكثرة سكانها وكلما كانت المدينة متقدمة حضاريا كلما ازدادت مقدرة النصابين على الاحتيال ولن يتمكن المرء من اتقاء شرهم إلا بعد أن يقع فريسة لاحتيالهم وعدد المرات يتوقف على نباهته وحرصه وتيقظه. والنساء أكثر شطارة من نظرائهم من الرجال لقدرتهن على لف شباكهن على الضحايا ولما منحتهن الطبيعة من مزايا. وقدمت شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) خدمة كبيرة للنصابين بأن ساهمت في تطور صنعتهم عبر بروز جيل جديد إلكتروني أكثر تعقيداً قادر على الإيقاع بضحاياه وسلبهم من آلاف الأميال. كما وفرت لهم الشبكة أمنا ساعدهم على التخفي وإحكام عملهم وتحقيق مكاسب كثيرة حتى أن بعضهم صاروا من أصحاب الملايين.
والنصابون، من كل فئات المجتمع، أنواع وتخصصات عديدة. وأخطرهم ضرراً وأذىً بالناس وبالأوطان الذين اختاروا منهم العمل في مجال السياسة وتبوأوا المراتب لأن النصّاب العادي ضرره محدود لكن النصابين العاملين في السياسة يسعون للنصب على بلدانهم وشعوبهم بالسعي لسرقة حاضرها ومستقبل أجيالها القادمة. بل إن بعضهم كان لديه من الوقت مايكفي حتى للسطو على الماضي بتزييف التاريخ. مؤهلاتهم تتمثل في قدراتهم على الخداع والاحتيال وشــــــعارهم "وريهم كأس اللبن وأسقيهم الماء". وصل الحال ببعضهم إلى أن تحولوا إلى أفاعٍ سامة، وبعضهم إلى قتلة بترخيص، وبعضهم قال للناس أنا ربكم الأعلى فأعبدوني!.
المنصوب عليهم أيضاً أنواع وأصناف كثيرة والسمة الغالبة على معظمهم هي حسن الظن بالآخرين وليست السذاجة لأن حتى النصابين في بعض الأحيان يتحولون إلى منصوب عليهم لا يستحقون تعاطفاً. الأوطان والشعوب والأمم تدخل تحت خانة المنصوب عليهم في ظروف تاريخية معينة. هناك أوطان وقعت ضحية لعمليات نصب فضاعت إلى يومنا هذا. وهناك أمم نتيجة للنصب صارت مثل البندول لا تعرف مستقراً، وأخرى فقدت ألسنتها، أو ظل افرادها ذوايح في أرض الله، ونظرة متأنية لما حدث ويحدث في بلادنا أوالبلدان التي من حولنا في كل الاتجاهات تغني عن أي كلام.
لا أحد يلوم عصفور قصب على الوقوع ضحية في فخ نصبه صبيان بغرض التسلية وتزجية الفراغ. لكن ربما يكون اللوم واجباً حين نمكن، نحن جميعا، نصابين من بيننا من اعتلاء ظهورنا ممهدين لهم الطريق لسرقة حاضرنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا.

الانتخابات النيابية والرئاسية القادمة حتماً ستكون المحك.